في بيوت العزاء التي خيم عليها الحزن، تتجلى أسمى معاني الإنسانية، وتتحول مشاعر الألم إلى مساحة واسعة للتضامن والتآخي، إذ تتلاقى القلوب قبل الكلمات، وتختصر المصافحة الصادقة والدمعة الحزينة حكاية وطن يرفض أن تفرق بين أبنائه جريمة إرهابية، أو أن ينال العنف من روابط المحبة التي تجمعهم.
وفي أعقاب الهجوم الإرهابي الذي شهدته بلدة حمود في محافظة الكرك، تتقدم مشاهد المواساة والتعزية والتضامن إلى الواجهة، لتؤكد أن المصاب لا يخص أسرة بعينها أو طائفة دون أخرى، بل يمس وجدان الأردنيين جميعا، الذين يجدون في الوقوف إلى جانب ذوي الشهداء واجبا إنسانيا ووطنيا، وتجسيدا حقيقيا لمعنى الشراكة في الوطن.
وفي بيوت العزاء، تستقبل العائلات المفجوعة المعزين، وتتجلى صورة المجتمع الأردني بأطيافه المختلفة، من رجال دين ووجهاء وفاعليات شعبية ومواطنين، حضروا للتعبير عن حزنهم ومواساتهم، وتأكيد أن الألم الذي خلفته الجريمة البشعة هو ألم مشترك، وأن استهداف الأبرياء لن ينجح في النيل من وحدة المجتمع وتماسكه.
بدوره، أكد النائب سالم العمر، لوكالة الأنباء الأردنية (بترا)، اليوم الاثنين، أهمية الدور الذي تؤديه القيادات الدينية والاجتماعية في ترسيخ خطاب الاعتدال والتسامح، وتعزيز قيم احترام الآخر، والتأكيد على حرمة الدم الإنساني، ورفض كل أشكال العنف التي تستهدف الأبرياء أو تحاول تبرير الاعتداء عليهم باسم الدين.
وأشار إلى مسؤولية المؤسسات الإعلامية في نقل مشاهد التضامن بمهنية وإنسانية، وإبراز المواقف التي تعزز الوحدة الوطنية، بعيدا عن نشر الشائعات أو تداول تفاصيل غير مؤكدة، مع احترام خصوصية أسر الشهداء ومشاعرها في هذه اللحظات الصعبة.
من جهته، قال مدير أحد فروع بنك صفوة الإسلامي في إربد، خالد بني حمد، إن زيارات التضامن رسائل تتجاوز كلمات التعزية التقليدية، فهي تعبير عن الوقوف مع العائلات في أصعب لحظاتها، وتأكيد أن الروابط الإنسانية والوطنية أقوى من محاولات بث الخوف والكراهية، وأن الأردنيين يستمدون قوتهم من قدرتهم على التكاتف في مواجهة المحن.
وأضاف أن مثل هذه الظروف تكشف حقيقة العلاقات التي تجمع الأردنيين، إذ لا تقف المواساة عند حدود القرابة أو الجيرة أو الانتماء الديني، وإنما تنطلق من شعور عميق بأن الإنسان يستحق الأمن والحياة الكريمة، وأن الاعتداء على أي مواطن هو اعتداء على قيم المجتمع بأكمله.
من جانبه، قال أحد وجهاء لواء الطيبة، الشيخ رشيد دواغرة، إن الوقوف إلى جانب أسر الشهداء في هذا المصاب الأليم ليس مجرد واجب اجتماعي، بل هو موقف أخلاقي يعبر عن رفض قاطع للإرهاب والتطرف، مؤكدا أن وحدة الأردنيين تشكل خط الدفاع الأول في مواجهة كل فكر يسعى إلى زرع الفرقة بين أبناء الوطن الواحد.
وشدد على أن المسيحيين في الأردن جزء أصيل من النسيج الوطني، وشركاء في مسيرة البناء والإنجاز، وأن ما يجمع الأردنيين من تاريخ مشترك وعلاقات اجتماعية وإنسانية راسخة أكبر من أي محاولة لاستغلال الدين أو الاختلاف لبث الكراهية والانقسام.
وقال مدير مستشفى الأميرة بسمة التعليمي، الدكتور وليد الحلبي، إن المواساة الحقيقية لا تقتصر على أيام العزاء، بل تمتد إلى ما بعدها، من خلال استمرار التواصل مع العائلات، وتقديم الدعم النفسي والاجتماعي عند الحاجة، وإشعارها بأن المجتمع يقف إلى جانبها، وأن فقدان الأحبة لا يعني مواجهة الألم في عزلة.
وأضاف أن بيوت العزاء، بما تشهده من لقاءات ومواقف إنسانية، تبقى شاهدا على أن الأردن يقوم على التآخي والتكافل واحترام التنوع، وأن قوة المجتمع لا تقاس بغياب المحن، بل بقدرته على تجاوزها متماسكا ومتضامنا.
و زاد أنه في مواجهة الإرهاب، يبعث الأردنيون برسالة واضحة مفادها أن دماء الأبرياء ليست مادة للانقسام، وأن الحزن يجمعهم كما تجمعهم الأرض والتاريخ والمصير المشترك، وأن المسيحي والمسلم شريكان في الوطن، تجمعهما المواطنة والكرامة الإنسانية والمسؤولية عن مستقبل الأجيال؛ ففي بيوت العزاء، لا تكون المواساة مجرد كلمات تقال، بل يبقى ذلك عهد متجدد بأن يبقى الأردنيون عائلة واحدة، يتقاسمون الحزن، ويساند بعضهم بعضا، ويرفضون أن تتحول جريمة الإرهاب إلى جسر للكراهية، أو أن تنال من وحدة وطن اختار أبناؤه أن يعيشوا معا في محبة و سلام.



