القضاة: التكفير خطر يهدد المسلمين ولا يجوز محاكمة الدين بسبب جرائم المتطرفين

القضاة: التكفير خطر يهدد المسلمين ولا يجوز محاكمة الدين بسبب جرائم المتطرفين

التطرف لا يواجه بتطرف مضاد.. والحوار العلمي هو السبيل

تحذير من تحويل الهجوم إلى مناسبة لمحاكمة الدين الإسلامي أو تحميل المؤسسات الدينية المسؤولية

أكد أستاذ العقيدة الإسلامية الدكتور إسماعيل نوح القضاة أن الهجوم الإرهابي الذي استهدف كنيسة في قرية حمود بمحافظة الكرك يمثل اعتداء على الأردنيين جميعا، مشددا على أن أمن الوطن لا يتجزأ بحسب المحافظة أو الفئة أو الانتماء الديني، وأن الجريمة أصابت المجتمع الأردني بأكمله.

وقال القضاة عبر إذاعة حسنى إن الأردنيين وقفوا صفا واحدا في إدانة الهجوم والتضامن مع أسر الشهداء والمصابين، معتبرا أن المجتمعات الواعية تستحضر في أوقات الأزمات القضايا المشتركة التي تجمعها، بدلا من إثارة الخلافات التي قد تضعف وحدتها.

وأضاف أن الاختلاف برز لاحقا في طريقة التعامل مع بعض المواقف والتصريحات التي صدرت في سياق التعزية بالمصابين، وفي النقاش المتعلق بجذور التطرف ومسؤولية الخطاب الديني والمناهج والمؤسسات التعليمية، محذرا من استغلال الفاجعة لإثارة الانقسام داخل المجتمع الأردني.

أمن الأردن مسؤولية مشتركة لا تتجزأ
وشدد القضاة على أن أمن الأردن مسؤولية جميع المواطنين، وأن الاعتداء على أي فئة من المجتمع هو اعتداء على الجميع، بصرف النظر عن الدين أو المنطقة أو المجموعة التي ينتمي إليها المستهدفون.

وقال إن المواقف التي شهدها الأردن عقب الهجوم أظهرت اتفاقا واسعا على إدانة الجريمة ورفض تبريرها أو التهوين من خطورتها، مؤكدا ضرورة الحفاظ على هذا الإجماع وعدم السماح بتحويل الحادثة إلى ساحة لتبادل الاتهامات أو التشكيك في مكونات المجتمع ومؤسساته.

وأضاف أن التعامل مع الأزمات يتطلب التركيز على ما يجمع الأردنيين، والابتعاد عن الخطاب الذي يستثمر مشاعر الحزن والغضب لتوسيع الخلافات أو إثارة الفتنة.

المواطنة وحقوق غير المسلمين في الفقه الإسلامي
وفي حديثه عن مفهوم التكفير، دعا القضاة إلى تناول القضية من منظور علمي وفقهي، بعيدا عن الانفعال، موضحا أن مبادئ المواطنة وحماية الحقوق لها جذور راسخة في التراث الإسلامي.

وأشار إلى وثيقة المدينة المنورة، وما تضمنته من مبادئ تتعلق بالنصرة والحماية ودفع الظلم عن مكونات المجتمع، كما استشهد بموقف الشريف الحسين بن علي، الذي أكد، وفق ما أورده القضاة، مبدأ المساواة في الحقوق والواجبات بين المواطنين.

وأكد لـ حسنى أن التعامل مع المواطنين المسيحيين في الأردن ليس موضع خلاف، وأن حقوقهم وحماية أرواحهم وحرماتهم يجب أن تكون مصونة، مشددا على أن الاعتداء عليهم لا يمكن تبريره باسم الدين.

التكفير يستهدف المسلمين قبل غيرهم
وأوضح القضاة أن مفهوم التكفير ارتبط تاريخيا باتجاهات تتهم مسلمين بالخروج من الدين بسبب أقوال أو أفعال لا تتفق مع تصوراتها ومعتقداتها، ثم تبني على ذلك أحكاما خطيرة، قد تصل إلى استباحة الدماء.

وقال إن خطورة هذه الأفكار تقع في المقام الأول على المسلمين أنفسهم، إذ تتحول الخلافات الفكرية والعقدية إلى اتهامات متبادلة بالتكفير والتبديع والتخوين، وقد تطال أشخاصا بسبب مواقفهم أو تعبيرهم عن آرائهم.

وأضاف أن النقاش الذي أعقب الهجوم كشف، بحسب تقديره، عن مفارقة تتمثل في اتفاق الجميع على إدانة الجريمة، مقابل نشوء خلافات حول مواقف بعض العلماء والدعاة الذين عبّروا عن تعازيهم وتضامنهم مع المسيحيين، وصولا إلى اتهام بعضهم أو التشكيك في مواقفهم الدينية.

وشدد على ضرورة التمييز بين إدانة الجريمة ومحاسبة مرتكبيها، وبين تحويل الاختلاف في التعبير عن الإدانة أو التعزية إلى سبب للطعن في عقيدة الآخرين أو التشكيك في انتمائهم الديني.

رفض تحميل الدين مسؤولية الجريمة
وحذر القضاة من تحويل الهجوم الإرهابي إلى مناسبة لمحاكمة الدين الإسلامي أو تحميل التراث الفقهي والمؤسسات الدينية مسؤولية جريمة ارتكبها أفراد، مؤكدا أن المسؤولية يجب أن ترتبط بالفعل الإجرامي ومن ارتكبه أو حرّض عليه أو سوّغه، وفق ما تثبته التحقيقات والأدلة.

موضحا أن الفرد يُحاسب على فعله، وأن وجود خلل فكري لدى مرتكب الجريمة يستدعي بحث هذا الخلل ومحاسبة كل من يثبت تورطه في التحريض أو التبرير، من دون تعميم المسؤولية على الدين أو المجتمع أو المؤسسات بأكملها.

وقال إن إدانة الإرهاب لا تعني إدانة الإسلام، وإن معالجة التطرف تتطلب فهما دقيقا للأسباب التي تقود إليه، بعيدا عن إطلاق الأحكام العامة التي قد تزيد الاستقطاب بدلا من أن تسهم في الحل.

القضاة: الخطاب الديني في الأردن يستند إلى مؤسسات مرجعية
وفي رده على الأصوات التي حمّلت المناهج الشرعية أو المساجد أو المؤسسات الدينية مسؤولية انتشار التطرف، أكد القضاة أن الخطاب الديني في الأردن يستند إلى مؤسسات رسمية ومرجعيات علمية، ويعمل في إطار معلن يخضع للمتابعة والتنظيم.

وأشار إلى وجود مؤسسات دينية رسمية، من بينها دائرة الإفتاء العام ووزارة الأوقاف وكليات الشريعة، إلى جانب المؤسسات الدينية في القوات المسلحة والأمن العام، معتبرا أن هذه المرجعيات تمثل إطارا علميا يمكن الرجوع إليه في معالجة القضايا الفكرية والعقدية.

وأضاف أن مواجهة الأفكار المتطرفة لا تكون بإضعاف المؤسسات التي تقدم خطابا دينيا منظما، بل بتعزيز حضورها وتطوير قدرتها على تقديم المعرفة الشرعية القائمة على الأدلة والحجة، بما يحد من انتشار الأفكار المنحرفة خارج الأطر العلمية.

وتحدى القضاة أن يُقدَّم دليل على أن أستاذا في كلية شريعة أو خطيب جمعة أو متخصصا في العلوم الشرعية أفتى بجواز قتل مواطن غير مسلم يعيش بين المسلمين لمجرد اختلافه الديني، مؤكدا ضرورة التمييز بين الخطاب الديني المؤسسي وبين الأفكار المتطرفة التي تتبناها جماعات خارجة على المجتمع.

التحذير من تبخيس دور العلماء وخطباء المساجد
وانتقد أستاذ العقيدة الإسلامية الدكتور إسماعيل نوح القضاة ما وصفه بتعميم الأحكام السلبية على أساتذة الشريعة وخطباء المساجد، أو تصويرهم على أنهم يفتقرون إلى العلم والمعرفة أو لا يعالجون قضايا المجتمع، محذرا من أن هذا الخطاب قد يؤدي إلى تقليل ثقة الناس بالمؤسسات الدينية الرسمية.

وقال إن التقليل من شأن العلماء والخطباء الذين يعملون ضمن المؤسسات المعروفة قد يضعف حضور الخطاب الديني المنضبط، ويفتح المجال أمام الجمهور للبحث عن مصادر أخرى للمعلومات والفتاوى، بما فيها مصادر غير معلنة أو غير خاضعة للرقابة العلمية.

وأكد أن المنابر الدينية والمؤسسات التعليمية والإعلامية يمكن أن تؤدي دورا في معالجة قضايا المجتمع ومشكلاته، داعيا إلى تقييم أدائها على أساس موضوعي، بعيدا عن التعميم أو الانتقاص من العاملين فيها.

التطرف لا يواجه بتطرف مضاد
وشدد القضاة على أن مواجهة التطرف يجب أن تقوم على الفكر المستنير والحوار العلمي والحجة، لا على تبني خطاب متطرف مضاد يحمّل الدين أو التراث الإسلامي مسؤولية العنف.

وقال إن وصف الإسلام أو مناهجه أو تراثه الفقهي بأنه يدعو إلى القتل، على نحو تعميمي، يمثل بدوره خطاباً خطيراً، مؤكداً أن معالجة الأفكار المتطرفة تستدعي مناقشتها وتفنيدها بالأدلة، بدلاً من استبدال اتهام باتهام آخر.

وأضاف أن المجتمع الأردني أظهر تماسكا في مواجهة الهجوم، وأن هذا التماسك ينبغي أن يكون أساسا لمعالجة أسبابه وتداعياته، لا أن يتحول إلى مناسبة لاستهداف المؤسسات الدينية أو التشكيك في مرجعياتها.

حوارات علمية مع أصحاب الأفكار المتطرفة
واستَشهد القضاة بجهود دائرة الإفتاء العام في محاورة أصحاب الأفكار المتطرفة داخل مراكز الإصلاح والتأهيل، موضحا أن فرقا علمية من العلماء والمفتين تناقش هذه الأفكار مع أصحابها، وتبحث القضايا التي يستندون إليها، في إطار حوار يقوم على العلم والمنطق والأدلة.

وقال إن هذه الجهود قد لا تكون ظاهرة إعلاميا بالقدر الكافي، لكنها تمثل جانبا من العمل المبذول لمواجهة الفكر المتطرف، مشيرا إلى أن بعض من خضعوا لهذه الحوارات تراجعوا عن أفكارهم.

ودعا إلى الاستفادة من خبرة دائرة الإفتاء العام في فهم خطاب الجماعات المتطرفة والرد على أفكارها، بدلا من إصدار أحكام عامة على المؤسسات الدينية أو تحميلها مسؤولية أعمال لا تمثل بالضرورة خطابها أو مواقفها.

العدل أساس العلاقة بين المواطنين
وأكد أستاذ العقيدة الإسلامية الدكتور إسماعيل نوح القضاة لـ حسنى أن العلاقة بين المواطنين ينبغي أن تقوم على العدل والرحمة وصون الحقوق، لا على العاطفة وحدها، موضحا أن المشاعر التي تتولد في أعقاب الأزمات قد تخفت مع مرور الوقت، بينما يشكل العدل أساساً مستداماً لحماية المجتمع.

وشدد على أن لكل مواطن يعيش في الأردن حقوقا يجب صونها، وأنه لا يجوز انتهاك حرماته أو الاعتداء عليه بسبب دينه أو انتمائه، مؤكدا أن احترام الحقوق يتيح للجميع ممارسة حرياتهم في الدعوة والتعبير عن الآراء والقضايا العامة، ضمن حدود القانون وعدم الاعتداء على الآخرين.

وختم بالتأكيد على أن المطلوب هو الاحتكام إلى الدين في معالجة القضايا وتصحيح الأخطاء، لا وضعه في قفص الاتهام، داعيا إلى الحفاظ على وحدة الأردنيين وتعزيز الثقة بالمؤسسات الوطنية والدينية، ومواجهة التطرف بالعلم والحوار والعدل.

اقرأ أيضاً

Facebook
X
WhatsApp
Telegram
Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *