د. عبدالله الغيلاني
د. عبدالله الغيلاني
Facebook
X
WhatsApp
Email
Telegram

كتب الدكتور عبدالله الغيلاني…الطوفان في ذكراه الثالثة

د. عبدالله الغيلاني
د. عبدالله الغيلاني


السابع من أكتوبر صار علماً على لحظة تاريخية فارقة، ومرادفاً إستراتيجياً لطوفان الأقصى، الذي تفجرت موجته الأولى في ذلك اليوم من عام 2023.
لا يزال الطوفان، بتداعياته ، يُشكل الرقم الأصعب في معادلة الامن الإقليمي الشرق أوسطي عامة، و العربي خاصة.
و لكن قبل أن نبسط مآثر الطوفان وما أحدثه من تحولات كبرى ، علينا أن نعترف بحجم الخسائر الإنسانية التي نجمت ، وهي المسألة التي يدندن حولها المنافقون و الذين في قلوبهم مرض، وتجترها أقلام المرجفين ويرددها بعض المخلصين ممن قصُر نظرهم عن رؤية الصورة بأبعادها الكلية وربما زينت لهم طباعهم الركون إلى العافية أياً كان ثمنها.
فليعلم أولئك جميعاً أن التحولات الكبرى في التاريخ لا تتحقق إلا بعد أكلاف باهضة وأثمان عالية، لا يقوى على دفعها إلا النجباء الذين بتضحياتهم تحيا الأمة و بصبرهم و رباطهم تنجو من الخسف والهوان . وما سيرة بني إسرائيل، قبل موسى وبعده، التي بسطها القرأن بكثافة لافتة، إلا تبيان لذلك الناموس التاريخي الثابت : تحرير الإنسان ومدافعة الطغيان فريضة ، ومن رضي بالهوان وتصالح مع الطغيان، فليبشر بعذاب الدنيا وسوء المنقلب في الآخرة: “إِلَّا تَنفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا ۗ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ”.
لسنا نزعم أن الطوفان قد حرر الأرض وإستعاد المقدسات ، ولكننا بكل ثقة نجادل أنه حرر الإنسان ودافع الطغيان وكسر العدوان و قلب معادلات إقليمية ودولية، لو إستقرت لكانت وبالاً على الأمة.
فيما يلي بعض مآثر الطوفان وتجلياته، أضعها موجزة بين يديك:
      •     نسف عقيدة الامن الاسرائيلي: وهي المرتكز الاستراتيجي الذي عليه تقوم الدولة الصهيونية. لم تعد إسرائيل دولة جاذبة، ولم تعد الفكرة الصهيونية قادرة على إقناع اليهود بالعودة إلى “أرض الميعاد” ، إذ تحولت فلسطين بعد الطوفان إلى أرض الإهلاك و التتبير .
      •     إنكسار مسار التطبيع: نعلم يقيناً أن عدداً من الدول العربية كانت تحث الخطا نحو التطبيع ، وبعضها كان قد بلغ مراحل الترسيم ، ولم يبق إلا إعلان لحظة الإستسلام. ولسنا نجهل ماذا يعني التطبيع بنسخته الراهنة : إنه إختراق وجدان الأمة و تفكيك منظوماتها القيمية وسحق هويتها ودفعها الى مزيد من التسفل والإنحطاط وتأبيد حالة الاستلاب الحضاري.
      •     هبوط بعد إقلاع: إخترق المشروع الصهيوني الضمير العالمي ، وقطع شوطاً بعيداً في ترسيخ سرديته القائمة على مزيج من الأباطيل التوراتية والأضاليل التاريخية. وقد توفر له من أسباب الدعم المالي والسياسي ما مكنة من إجتياح الوجدان العالمي وإقتحام مراكز القرار الدولي، فصنع صورة ذاتية جلبت مؤازرة أخلاقية ومنحته هوامش سياسية، فقيّض الله الطوفان لينسف تلك الصورة الكاذبة ويقتلع السردية الصهيونية من جذورها. يتشكل في الغرب اليوم رأي عام مخاصم ليس للسردية الصهيونية فحسب ، بل لوجود إسرائيل التي غدت في الذاكرة العالمية والغربية خاصة، كياناً متوحشاً. ولهذا التطور إفرازاته السياسية، وهي آخذة في التصاعد والتمدد، إذ ظهر جيل من السياسيين الغربين الذي يرون إسرائيل هي النقيض الموضوعي لقيم الحرية والكرامة الإنسانية.
      •     تحرير الوجدان العربي: إنزوت قضية فلسطين، بإيحاءاتها العقدية والأخلاقية، في الوجدان العربي ، ولم تعد تحتل ذات المكانة التاريخية التي طالما رسختها مناهج التعليم وعززتها الادبيات السياسية والثقافية. و تكاثفت دعوات فك الارتباط الاخلاقي والسياسي مع “فلسطين” برعاية مبطنة من النظام العربي الرسمي، تمهيداً للتطبيع ، ولكن الطوفان أحبط مشاريع الضرار تلك و أعاد تركيب الصورة المهشمة، فحرر الوجدان العربي من غفلته تلك، لتستعيد فلسطين مركزيتها في الضمير والعقل العربي العام.
      •     في ملحمة الطوفان إنتصر الحق على القوة. نعم، إستطاعت القوة أن تبطش وأن تهلك الإنسان والعمران ، ولكنها سقطت في وحل الرذيلة وإكتست عاراً لا تغسله مياه المحيط . وبهذا الاعتبار، أعاد الطوفان تعريف النصر، ليكون مرادفا لدفاع عن الحق والانتصار للقيمة والاصطفاف مع العدل.
العقبة كؤود، ولكن الطوفان بدأ إقتحامها، ومسار التحرير طويل، ولكن الطوفان خطً سطره الأول، وبلوغ الغايات منوط بحجم التضحيات .
«وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَىٰ »
د. عبدالله الغيلاني

Related Posts

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *