ليس التاريخ لحظة منفصلة عن سياقها ولا الطوفان ماء ينهمر فجأة من غير سحاب
في تاريخ الشعوب، لم يسبق للحظة تحول كبرى انها جاءت من العدم، او انها ولدت بمحض الصدفة في لحظة آنية. جميعها جاءت نتيجة سنوات طويلة من تراكم الظلم، وتراكم الوعي، وتراكم الإرادة، حتى هُيئت لحظة تقاطعت فيها الظروف مع القدرة، فتحول فيها الصراع من حالة انتظار إلى فعل تاريخي.
وفي ضوء ذلك، يمكن قراءة طوفان الأقصى في السابع من أكتوبر 2023.
فالقصة بدأت قبل ذلك اليوم بزمن طويل، منذ أن فُرض الاحتلال على فلسطين، وتوالت النكبات والتهجير والاستيطان ومصادرة الأرض، ومحاولات اقتلاع الإنسان الفلسطيني من وطنه وتحويل الاحتلال إلى واقع دائم. وعلى امتداد عقود، نشأت أجيال فلسطينية لم ترضَ أن تتنازل عن أرضها وهويّتها وحقّها في نيل الحريّة.
وإن كان الإيمان بالحقّ ركيزة أساسية لكلّ فعل تحرّري، لكنه وحده لا يصنع التحولات التاريخية؛ فالحقوق تحتاج إلى إرادة تحميها، والإرادة تحتاج إلى وعي، والوعي يحتاج إلى تنظيم، والتنظيم يحتاج إلى إعداد.
وهنا تكمن إحدى أهم دلالات التجربة الفلسطينية؛ إذ تراكمت على مدى السنوات أشكال متعددة من الإعداد: بناء الإنسان، وتطوير المعرفة والخبرة، وتوظيف التكنولوجيا، وتطوير أدوات المواجهة، وإعداد المجتمع نفسياً، وبناء القدرة على التخطيط والمباغتة، إلى جانب العمل الإعلامي والسياسي الذي أبقى القضية حاضرة في الوعي الفلسطيني والعربي والدولي.
وهذا يلتقي مع قاعدة قرآنية واضحة في قوله تعالى:
﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ﴾
فالقوة في مفهومها الأوسع تتجاوز القوة العسكرية إلى قوة العلم والتنظيم والإرادة والاقتصاد والتكنولوجيا والإعلام والقدرة على إدارة الصراع وحماية المجتمع. والقرآن حين يربط النصر بالأخذ بالأسباب، يرسخ في الوعي أن الإيمان لا يعني السلبية، كما أنّ التوكل لا يلغي الإعداد.
ومن هنا جاءت لحظة السابع من أكتوبر باعتبارها انتقالاً من بناء الزّخم إلى الفعل.
لقد أحدث الحدث تحولاً كبيراً في المشهد، وأعاد طرح أسئلة ظن كثيرون أن الزمن قد أحالها إلى النسيان: هل يمكن أن يستمر الاحتلال إلى الأبد؟ وهل تستطيع القوة العسكرية وحدها أن تلغي إرادة شعب؟ وهل يمكن الوصول إلى سلام مستقر مع بقاء أصل الصراع قائماً؟
والأهم أن القضية الفلسطينية عادت بقوة إلى مركز الاهتمام العالمي.
فبعد سنوات حاولت فيها أجندات إقليمية ودولية دفع القضية إلى هامش المشهد، جاءت الحرب وما رافقها من دمار ومعاناة إنسانية لتعيد القضية إلى صدارة النقاش السياسي والقانوني والأخلاقي، وتضع الاحتلال وحق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم مجدداً في قلب المشهد.
وفي المقابل، كشفت الحرب أن معركة فلسطين ليست عسكرية فقط؛ و إنّما معركة وعي ورواية وشرعية.
فالصورة التي تصل إلى العالم، والكلمة التي تشرح القضية، والشهادة التي توثق الانتهاكات، والقدرة على مخاطبة الشعوب والمؤسسات الدولية، أصبحت جزءاً من الصراع على المستقبل. ولذلك فإنّ الإعلام اليوم يلعب دورًا مركزيّا في معركة التحرر.
أما البعد الأعمق في «طوفان الأقصى»، فهو أنه أعاد الاعتبار لفكرة أن الاحتلال ليس قدراً أبدياً.
فالتجارب التاريخية لحركات التحرر تؤكد أن الاحتلال مهما امتلك من قوة لا يستطيع ضمان استمراره إلى ما لا نهاية إذا بقي الشعب الواقع تحت الاحتلال متمسكاً بهويته وحقه، واستمر في إنتاج أدوات جديدة لمواجهة واقع الاحتلال.
وهذا لا يعني أن التحرير يتحقق بضربة واحدة أو في لحظة واحدة.
فالطريق إلى الاستقلال أطول من معركة، ويحتاج إلى تحويل اللحظة التاريخية إلى مسار متكامل: تثبيت الإنسان على أرضه، وحماية الهوية، وإعادة البناء، وتوحيد الإرادة الوطنية، واستثمار القانون الدولي، وتوسيع الاعتراف بحقوق الشعب الفلسطيني، وتعزيز القدرة على إدارة المرحلة المقبلة سياسياً واقتصادياً ومجتمعياً.
لذلك فإن السؤال في الذكرى الثالثة ليس فقط: ماذا حدث في السابع من أكتوبر؟
بل: ماذا ستفعل الأمة والشعب الفلسطيني بهذه اللحظة التاريخية؟
فإن المسؤولية هي في تفعيل هذا التحول في المسار السياسي لإنهاء الاحتلال وتحقيق الحرية والسيادة والعدالة، وصولاً إلى دولة فلسطينية مستقلة على أرض فلسطين.
وفي الذكرى الثالثة لطوفان الأقصى، تتأكد مسؤولية الأردن في مواصلة دوره السياسي والدبلوماسي في الدفاع عن القدس ومقدساتها، ورفض التهجير والتوطين والوطن البديل، ودعم حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة.
(البوصلة)



