غصّت الشاشات والفضائيات، في الفترة الماضية، بمحللين وكتّاب لم يهدأ لهم صوت، ولم تتوقف أقلامهم عن الحديث عن إيران، يصوّرونها وكأنها العدو الأول للأردن والعرب، ويتوقعون هزيمتها، ويهيئون الناس لمواجهتها، وكأن الأردن لا بد أن يدخل في صراع معها، لا ناقة له فيه ولا جمل.
كانوا يملأون الشاشات بالتحليلات والتحذيرات، ويرفعون أصواتهم، ويزرعون الخوف والعداء، حتى خُيّل للمتابع أن الأردن مقبل على معركة لا مفر منها. وكأنهم لا يدركون أن الدولة لا تُدار بالصراخ، ولا تُحمى بالمبالغة، ولا تُبنى بإقحامها في عداوات لا تخدم مصالحها.
من حق أي كاتب أن ينتقد سياسة إيران “وأنا أمقتها” أو غيرها، لكن هناك فرقًا كبيرًا بين النقد والتحريض، وبين التحليل المسؤول وإثارة المخاوف. فالأردن يحتاج إلى من يحمي مصالحه، لا إلى من يزجّ به في متاهات الصراعات الإقليمية، ويحمّله أعباء خصومات قد لا تعود عليه بأي فائدة.
ولم يتوقف الأمر عند ذلك، بل ركّز بعض هؤلاء على إثارة الفتنه بين مكون الوطن الواحد ، ونبش الخلافات، وتضخيمها، وتخوين كل من خالفهم الرأي أو قال كلمة حق لا تعجبهم. وكأن وحدة المجتمع أصبحت مادة للمزايدة، وكأن الوطنية تُقاس بمدى اتفاق الناس معهم!
إن اللحمة الأردنية الواحده لأبناء الوطن أكبر من خطابات التحريض، وأقوى من محاولات شق الصف. ومن يحرص على الأردن حقًا، عليه أن يحمي وحدة أبنائه، لا أن يزرع الشك بينهم ويحوّل الاختلاف إلى عداوة.
لقد بدا أحيانًا أن بعض هذه الأصوات تسعى إلى الظهور والمكاسب والمناصب أكثر من سعيها إلى تقديم تحليل موضوعي يخدم الوطن. ولا يجوز أن نتهم أحدًا بأنه مأجور من دون دليل، لكن من حقنا أن نتساءل عن خطاب يثير الخوف والفتنة، وعن نتائجه التي قد تضر بالأردن، سواء صدرت عن سوء نية أم عن جهل وسوء تقدير.
لكن المفاجأة اليوم : أين اختفى هؤلاء؟
أين ذهبت الأقلام التي لم تكن تتوقف عن الكتابة؟ وأين اختفت الأصوات التي كانت تملأ الفضائيات بالتحليلات والتحذيرات؟ لماذا خفت الضجيج فجأة، وغابت الوجوه التي اعتادت الظهور كل يوم؟
ما الذي حدث؟ هل كشفت الأحداث ضعف بعض تحليلاتهم؟ هل تبيّن أن ما كانوا يروّجون له لم يكن دقيقًا؟ أم تغيّرت الظروف، وانتهت صلاحية الخطاب الذي اعتادوا تكراره؟ هل كانوا يحللون الوقائع فعلًا، أم يروّجون لما يتمنون حدوثه؟
أسئلة مشروعة تستحق الإجابة. فمن اعتاد الظهور على الشاشات ليشرح للناس ما يجري، عليه أن يتحمل مسؤولية كلامه، وأن يراجع مواقفه عندما تكشف الأحداث أخطاءه. فالتحليل السياسي ليس نبوءة مقدسة، والكاتب المحترم لا يخجل من الاعتراف بالخطأ، بل يخجل من تضليل الناس والإصرار على الخطأ.
إن المشكلة ليست في أن يخطئ محلل في تقدير موقف، فهذا وارد، وإنما في أن يتحول الخطأ إلى تحريض، والاختلاف إلى تخوين، والتحليل إلى وسيلة لإثارة الفتنة. والأخطر أن يدفع الأردن ثمن خطاب لم يصنعه، وأن يجد نفسه وسط عداوات لا تخدم أمنه ولا مصالحه.
نحن لا نطالب أحدًا بالصمت، بل نريد إعلامًا مسؤولًا، ينتقد من دون أن يحرّض، ويختلف من دون أن يخوّن، ويضع مصلحة الأردن فوق المصالح الشخصية. فالأوطان لا يحميها الصراخ، ولا تُبنى بتخوين أبنائها، وإنما بالوعي والصدق ووحدة الصف.
نعم سيبقى السؤال يلاحقهم: أين اختفيتم؟ ولماذا صمتّم فجأة؟ وهل ستعودون عندما تتغير الرياح من جديد؟
لقد جاء خطاب جلالة الملك عبدالله الثاني ليعيد البوصلة إلى اتجاهها الصحيح، ويضع مصلحة الأردن ووحدة أبنائه فوق كل مزايدة وتحريض، فبدّد ضجيج الفتنة وأعاد الأمور إلى نصابها، تاركًا لأصحاب الأصوات وأقلام التحريض سؤالًا صعبًا: ماذا بعد أن أوضح الحقيقة؟ من هو العدو الحقيقي … وأين تكمن مصلحة الوطن..
فالوطن ليس ساحة للمزايدات، ولا شعبه مادة للمكاسب، ولا وحدته الوطنية ورقة في أيدي الباحثين عن الظهور. ومن يكتب باسم الوطن، عليه أن يتذكر دائمًا أن الكلمة مسؤولية، وأن الضرر الذي تتركه قد يكون أكبر من الضجيج الذي تصنعه.
(البوصلة)


