كما أبرزتها وصية الشهيد بإذن الله فرحان الحسبان رحمه الله
ليست وصية الملازم الشهيد فرحان محمد سلامة الحسبان العموش رحمه الله، وهو ابن قبيلة بني حسن العريقة ، مجرد رسالة أب إلى ابنته، بل نص قصير تتداخل فيه صورة الضابط مع صورة الإنسان، وتلتقي فيه قيم الجندية الأردنية مع حضور فلسطين والقدس في وجدان صاحبها. وقد كتبها في الثالث من حزيران 1968، في مرحلة أعقبت حرب 1967 ومعركة الكرامة، وكانت الجبهة الأردنية تشهد استمرار المواجهة في إطار حرب الاستنزاف. وبعد ساعات من كتابتها، استشهد فرحان الحسبان رحمه الله، فتحولت كلماته من وصية محتملة إلى شهادة أخيرة على صاحبها وجيله.
يفتتح الشهيد فرحان الحسبان رحمه الله وصيته بعبارة تكشف الأساس الذي ينطلق منه: «كنت أؤمن أن الموت حق، وكذلك الشهادة في سبيل الحق والواجب والمسجد الأقصى». في هذه الكلمات تتجمع ثلاثة مرتكزات: الإيمان، والواجب العسكري، وفلسطين ممثلة في المسجد الأقصى. ومن المهم هنا أن المسجد الأقصى لم يرد في وصيته عرضا، بل جاء مرتبطا بالحق والواجب، بما يكشف مكانة القدس وفلسطين في وعيه وهو يؤدي مهمته على الجبهة الأردنية. فالمواجهة، في نظره، لم تكن منفصلة عن قضية أوسع حملها جيله في وجدانه، وكان المسجد الأقصى أحد أبرز رموزها.
ويؤكد ذلك حين يقول: «سأستشهد وأنا مقبل، وبعد أن أبلي بلاء حسنا في سبيل المسجد الأقصى». فالإقدام هنا مرتبط بالفعل العسكري وأداء الواجب، لا بمجرد مواجهة الموت. ولهذا يصر على أن يكون «مقبلا وليس مدبرا»؛ وهي عبارة تختصر تصوره للجندي الذي يريد أن يواجه الخطر بثبات وأن يظل وفيا للمهمة حتى نهايتها. وفي قوله «إزالة العار عن هذا الجيل» يظهر أيضا أثر حرب 1967 في وعيه؛ فهو يتحدث بضمير الجيل، لا بضمير الفرد وحده، ويضع تجربته ضمن شعور جماعي بالمسؤولية تجاه ما جرى.
ومن اللافت أن الشهيد فرحان الحسبان رحمه الله، وهو يكتب عن الشهادة والواجب، لا يحول وصيته إلى خطاب قتالي خالص، بل ينقل هذه القيم إلى ابنته في صورة تربوية. يقول لها: «كوني في شبابك مثال الأخلاق». فالأخلاق هي أول ما يوصيها به، وكأن القيمة التي يريد أن تستمر بعده ليست ذكراه وحدها، بل طريقة عيشها. ثم يقول: «كوني في زواجك نعم الزوجة ونعم الأم»؛ فيتحول النص من وصية رجل مقبل على المعركة إلى وصية أب يرسم لابنته، وهي لا تزال رضيعة، صورة الحياة التي يتمنى أن تعيشها.
وهنا يتضح الدور التربوي للشهيد فرحان الحسبان رحمه الله في وصيته؛ فهو لم يكتف بأن يترك لابنته عاطفة الأب أو ذكراه، وإنما حاول أن يترك لها منظومة من القيم التي تعينها في مراحل حياتها المقبلة: الأخلاق في الشباب، والمسؤولية في الأسرة، والقيام بالدور الاجتماعي والإنساني بإحسان. ومن هذه الزاوية تبدو الوصية امتدادا لدور المربي، فحتى وهو يستشرف احتمال غيابه، كان يفكر في بناء شخصية ابنته وتوجيهها نحو حياة تقوم على الخلق والمسؤولية. وهنا تتجاوز الوصية حدود الأسرة لتقدم صورة عن فهمه للتربية بوصفها أثرا يبقى بعد الإنسان، تماما كما يبقى أثر الجندي في ميدان واجبه.
وبعد ذلك يظهر الوجه الآخر للشخصية العسكرية. فبعد حديثه عن الموت والشهادة يقول: «كان أملي أن أراك فتاة تقولي لي بابا». هذه العبارة البسيطة تفتح في الوصية مساحة واسعة للإنسان الذي خلف الضابط؛ رجل لا يخفي أمنيته الطبيعية في أن يرى ابنته تكبر، وأن يسمع منها كلمة الأبوة التي قد تحرمه الحرب من سماعها. وفي هذا الانتقال من «المسجد الأقصى» إلى «بابا» تكمن قوة النص: قضية عامة كبرى وحب شخصي يجتمعان في قلب رجل واحد.
ثم يقول: «سمي ابنك فرحان كي لا تنسي اسمي، وهذا أملي». لا يطلب أن يبقى اسمه في سجل عسكري فحسب، وإنما يريد أن يبقى في ذاكرة أسرته. فالاسم هنا صورة من صور مقاومة الغياب، والأمل في أن يستمر الإنسان فيمن يحب بعد رحيله.
ولذلك تبدو خاتمة الوصية، «والدك فرحان»، أكثر من توقيع؛ إنها عودة إلى جوهر الشخصية بعد كل ما سبق. فقد كتب عن الحق والواجب، وعن الشهادة والقدس، وعن الجيل والكرامة، ثم اختار أن يعرف نفسه لابنته بكلمة واحدة: والدك. وفي ذلك تختصر الوصية صورتها كلها: جندي أردني يؤدي واجبه، يحمل فلسطين والقدس في وجدانه، ويواجه الخطر بكرامة، لكنه يظل في النهاية أبا يريد أن يبقى حاضرا في حياة ابنته.
استشهد فرحان الحسبان رحمه الله في الرابع من حزيران 1968، وبقيت وصيته شاهدة على ذلك التداخل بين الجندية والإنسانية؛ بين الواجب والأسرة، وبين الجبهة الأردنية وفلسطين، وبين لحظة الموت وأمل البقاء. غاب فرحان الحسبان رحمه الله، لكن كلماته أبقت منه الجندي الذي أدى واجبه، والأب الذي أحب، والمربي الذي أراد أن يترك في ابنته من القيم ما يبقى بعد غيابه.
*نص وصية الشهيد فرحان الحسبان رحمه الله*
بنيتي، أكتب هذه الرسالة في الليلة الثالثة من شهر حزيران سنة 1968، عندما كنت جالسا في خيمتي، مؤمنا أن الموت حق وكذلك الشهادة في سبيل الحق والواجب والمسجد الأقصى. فإذا وهبني الله الشهادة، فآمل أن تفخري عندما يذكر اسمي، وأن تجهرِي بصوتك أن والدك شهيد، أجل إنه شهيد، لقد فارق الحياة وهو مقبل لا مدبر.
فقد أقسمت أن أموت مقبلا، وأن أبذل روحي رخيصة في سبيل الدفاع عن المسجد الأقصى. كنت أحلم أن أراك فتاة وأن أطرب لسماع كلمة بابا وأنت تقولينها، ولكن لنا لقاء في جنات الخلد إن شاء الله.
ولي بعض الوصايا:
* كوني في شبابك مثال الأخلاق.
* كوني في زواجك نعم الزوجة ونعم الأم.
* سمي ابنك فرحان كي لا تنسي اسمي، وهذا أملي.
يوم الاثنين 3-6-1968
والدك فرحان الحسبان.



