تأخرتُ في الكتابة عن المعلم إذ كان يوم تكريمه هو الخامس من شهرنا هذا تشرين الأول، والكتابة عن المعلم تحتاج كلاما كثيرا، وقد أوصاني أحبابي أن تكون مقالاتي مختصرة لأن الناس ما عادوا يصبرون على القراءة.
أستذكر في هذا المقام عتب إبراهيم طوقان شاعر نابلس على أمير الشعراء الذي كتب عن المعلم قائلا:
قم للمعلم وفّه التبجيلا
كاد المعلّم أن يكون رسولا
والشاعر المعلّم طوقان متأكد من أن شوقي الذي لم يكن يوما معلما لو جرّب التعليم لما بالغ في وصف المعلم بالرسول، وأنا أعجب من طوقان برغم صدق وصفه لمعاناة المعلّم وابتلائه:
“لو جرب التعليم شوقي ساعة
لقضى الحياة تأوّها وعويلا”
أعجب من طوقان الذي كان يعلم يقينا أن الرسل عليهم السلام لقوا من العناء والعنت والعذاب ما لم يلقه أحد غيرهم، وتقريب شوقي للمعلم من درجة الرسول فيه من أوجه القرب ما لا يخفى، فالرسول أصلا معلم لقومه، والرسول مكرّم من ربه، وفي طريق تبليغ الرسول رسالته للناس ما لا يخفى من البلاء، أوَلا تجتمع هذه كلها للمعلّم؟!
بلاء المعلم في مجتمعاتنا ليس من طلابه ابتداءً، فلقد انصبّ عليه البلاء من أنظمة سياسية كان أولها نظام الاستعمار الذي عرف خطورة عمل المعلم وخاف كل الخوف من نجاحه في أداء مهمته، وقد عني الاستعمار بفئتين من فئات المجتمعات الإسلامية التي استعمرها، فئة المعلمين وفئة الشيوخ الواعظين، وورثنا عن الاستعمار حتى يومنا هذا أن أفقر الناس وأقلهم دخلا المعلم وشيخ الجامع، لأن فقرهما كفيل بانصرافهما عن وظيفتهما الخطيرة: التربية والتعليم.
لقد حرص الاستعمار الفرنسي -مثلا- على تشويه سمعة الواعظ والمربي فنشروا في المجتمعات أن المشايخ “يحبون بطونهم” و”المؤمنون حلويّون” و”على راس كل منسف شيخ” حتى مرّ بنا زمان كان يستهين فيه الناس بالعلماء ويأنفون الاختلاط بهم.
كلنا يعلم أن المعلم الذي نخصص يوما لتكريمه بحفل خطابي مستهدف اليوم، فلا حاله الاجتماعي مرضيّا ولا المنهاج الذي يدرّسه يطلق يده للاجتهاد وبذل الوسع للتأثير في الطالب، ولا الأنظمة الإدارية في وزارة التربية تاركة له الوقت الكافي ليستثمره في بناء علاقة سوية بالطلاب وأهلهم.
تكريم المعلم يعني أن نعيد له مجد تأثير الكُتّاب وشيخه، لا في حمل العصا ولا في أجرة البيضة والرغيف، ولكن في العلم الموسوعيّ الذي كانت تظهر آثاره على المتعلمين.
يتخرج كثير من طلابنا اليوم بحصيلة شبه مفلسة من الإملاء والخط والحساب، فهل من مراجعة لتعاملنا مع أهم عناصر التعليم (المدرّس) لا على صعيد إجبارهم على حمل شهادة دبلوم التربية ولكن على كل صعيد يعين على أداء المهمة، فالتعليم اليوم في خطر، والمناهج مستهدفة، واستيراد الخطط التربوية من مؤسسات من خارج الحدود أكبر خطر على المعلّم والمتعلّم على حدّ سواء، فهل نحن مدركون للخطر، أم أن الإدراك وحده لا يكفي، وقد غلّت أيدي المصلحين عن تدارك الأمر ومعالجة آثار ما كان بما يجب أن يكون؟ سلوا نوابنا التربويين ينبئونكم عما يواجَهون به من عناد في هذا السياق تحت القبة، وكل عام ومعلمنا بخير.
(البوصلة)



