عمّان – البوصلة
بعد مرور مائة عام على مولده، لا يزال اسم العلامة الشيخ يوسف القرضاوي حاضرًا بقوة في الذاكرة الإسلامية المعاصرة، بوصفه أحد أبرز علماء العصر وأكثرهم تأثيرًا في قضايا الفقه والفكر والدعوة، وصاحب مشروع علمي امتد لعقود، وترك مئات المؤلفات والفتاوى والبرامج التي وصلت إلى جمهور واسع في مختلف أنحاء العالم.
ولد يوسف عبد الله القرضاوي في التاسع من أيلول/سبتمبر عام 1926 في قرية صفط تراب التابعة لمركز المحلة الكبرى بمحافظة الغربية في مصر، ونشأ يتيم الأب بعدما فقده وهو في الثانية من عمره، فتولى عمه رعايته وتربيته.
ومنذ سنوات طفولته الأولى، ارتبط القرضاوي بالقرآن الكريم، إذ أتم حفظه قبل أن يبلغ العاشرة، لتبدأ رحلة علمية طويلة داخل المؤسسة الأزهرية، انتقل خلالها بين مراحل التعليم المختلفة حتى أصبح واحدًا من أبرز خريجي الأزهر في جيله.
تفوق أزهري مبكر
برز نبوغ القرضاوي في مراحل دراسته الأولى، فحقق ترتيبًا متقدمًا في الثانوية الأزهرية، قبل أن يلتحق بكلية أصول الدين في جامعة الأزهر، ويتخرج فيها عام 1953 متفوقًا على زملائه.
وفي العام التالي، حصل على العالمية مع إجازة التدريس من كلية اللغة العربية، محافظًا على تفوقه العلمي بين خريجي الكليات الأزهرية.
ولم تتوقف رحلته الأكاديمية عند ذلك، إذ نال دبلوم معهد الدراسات العربية العالية التابع لجامعة الدول العربية في تخصص اللغة والأدب عام 1958، ثم أكمل دراساته العليا في علوم القرآن والسنة.
وفي عام 1973، حصل على درجة الدكتوراه بامتياز مع مرتبة الشرف الأولى من كلية أصول الدين بجامعة الأزهر، وكانت رسالته بعنوان الزكاة وأثرها في حل المشكلات الاجتماعية، لتصبح لاحقًا من أبرز الأعمال العلمية التي تناولت فريضة الزكاة ودورها الاقتصادي والاجتماعي في الفكر الإسلامي المعاصر.
بين الدعوة والسجن
لم تكن حياة القرضاوي العلمية بعيدة عن التحولات السياسية التي شهدتها مصر والمنطقة العربية خلال القرن العشرين.
فقد انتمى في شبابه إلى جماعة الإخوان المسلمين، وتعرض للاعتقال والسجن عدة مرات، بدءًا من عام 1949 في العهد الملكي، ثم خلال خمسينيات وستينيات القرن الماضي.
وشكلت تجربة السجن واحدة من المحطات المؤثرة في حياته، وانعكست على كتاباته وشعره، ومن أبرز ما ارتبط بتلك المرحلة قصيدته الشهيرة ملحمة الابتلاء، التي كتبها خلال فترة اعتقاله، وجاءت معبرة عن تجربته الفكرية والإنسانية في مواجهة السجن والقمع.
وبرغم ارتباطه الطويل بجماعة الإخوان المسلمين، فقد ابتعد لاحقًا عن العمل التنظيمي، وركز بصورة أكبر على النشاط العلمي والدعوي والفقهي.
رحلة قطر وبناء المؤسسات
شكل انتقال الشيخ يوسف القرضاوي إلى قطر عام 1961 محطة مفصلية في حياته، حيث بدأ العمل مديرًا للمعهد الديني الثانوي، قبل أن يتوسع نشاطه الأكاديمي والمؤسسي في الدولة.
وفي عام 1977، أسس كلية الشريعة والدراسات الإسلامية في جامعة قطر، وتولى عمادتها لسنوات طويلة، وأسهم في تأسيس عدد من المؤسسات العلمية والبحثية.
كما تولى إدارة مركز بحوث السنة والسيرة النبوية، وشارك في نشاطات علمية وفقهية داخل قطر وخارجها، الأمر الذي جعله حاضرًا في عدد كبير من المجامع والمؤسسات الإسلامية الدولية.
وتولى خلال مسيرته رئاسة الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، إلى جانب رئاسة المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث، وعضوية عدد من المؤسسات والمجامع الفقهية والعلمية.
فقه معاصر لجمهور واسع
لم يكن القرضاوي عالمًا أكاديميًا تقليديًا يعيش داخل قاعات الدراسة والمؤتمرات، بل سعى إلى تقديم الفقه الإسلامي بلغة أقرب إلى قضايا الإنسان المعاصر وأسئلته.
وتميز مشروعه الفكري بالاهتمام بقضايا الاجتهاد وتجديد الخطاب الفقهي، ومقاصد الشريعة، والأقليات المسلمة، والاقتصاد الإسلامي، والدولة، والزكاة، وقضايا الأسرة والمجتمع.
ومن أشهر مؤلفاته الحلال والحرام في الإسلام، وفقه الزكاة، وفتاوى معاصرة، وفقه الجهاد، وفي فقه الأقليات الإسلامية، ودراسة في فقه مقاصد الشريعة، والفتوى بين الانضباط والتسيب، إلى جانب عشرات الكتب والبحوث الأخرى.
وتجاوز عدد مؤلفاته 170 كتابًا ورسالة، تناولت موضوعات واسعة امتدت من العقيدة والفقه والقرآن والسنة، إلى الاقتصاد والسياسة والفكر الإسلامي.
كما عرفه ملايين المشاهدين من خلال برامجه التلفزيونية، التي جعلت منه أحد أكثر العلماء المسلمين حضورًا وتأثيرًا في وسائل الإعلام العربية والإسلامية.
جوائز وتكريمات
حصل الشيخ يوسف القرضاوي خلال مسيرته على عدد من الجوائز والتكريمات العلمية والفكرية، من أبرزها جائزة البنك الإسلامي للتنمية في الاقتصاد الإسلامي، وجائزة الملك فيصل العالمية في الدراسات الإسلامية، وجائزة سلطان العويس في الإنجاز الثقافي والعلمي.
ونال كذلك جائزة شخصية العام الإسلامية ضمن جائزة دبي الدولية للقرآن الكريم، إلى جانب جوائز وتكريمات أخرى من مؤسسات ودول إسلامية.
وفي عام 2010، منحه الملك الأردني عبد الله الثاني وسام الاستقلال من الدرجة الأولى خلال مشاركته في المؤتمر الخامس عشر لمؤسسة آل البيت الملكية للفكر الإسلامي في عمان.
كما احتل مراتب متقدمة في قوائم الشخصيات الإسلامية والمفكرين الأكثر تأثيرًا، تقديرًا لدوره الواسع في الفكر الإسلامي المعاصر.
حضور سياسي ومواقف مثيرة للجدل
لم تخل مسيرة القرضاوي من الجدل، إذ ارتبط اسمه بمواقف سياسية وفكرية أثارت نقاشًا واسعًا داخل العالم العربي والإسلامي وخارجه.
وعرف بدعمه للقضايا الإسلامية وحضوره في الأحداث السياسية الكبرى، إلى جانب مواقفه المؤيدة للقضية الفلسطينية ورفضه للاحتلال الإسرائيلي.
وفي المقابل، تعرض للمنع من دخول بعض الدول، كما أدرج اسمه في قوائم وتصنيفات سياسية وأمنية في عدد من البلدان بسبب مواقفه وانتماءاته السياسية والفكرية.
وبرغم الجدل الذي أحاط به في مراحل مختلفة من حياته، بقي القرضاوي واحدًا من أكثر العلماء المسلمين تأثيرًا وحضورًا خلال العقود الأخيرة.
رحيل عالم وبقاء أثر
رحل الشيخ يوسف القرضاوي في السادس والعشرين من أيلول/سبتمبر عام 2022، عن عمر ناهز 96 عامًا، بعد حياة امتدت بين حلقات العلم والمنابر والمساجد والجامعات والمؤلفات ووسائل الإعلام.
ومع مرور قرن على مولده، تبدو مسيرته شاهدًا على رحلة عالم تجاوز حدود المكان، وانتقل من قرية مصرية صغيرة إلى فضاء إسلامي واسع، تاركًا أثرًا فكريًا وعلميًا امتد إلى أجيال من الباحثين والدعاة والمهتمين بالشأن الإسلامي.
فمن حفظ القرآن طفلًا، إلى التفوق في الأزهر، ومن تجربة السجن إلى تأسيس المؤسسات العلمية، ومن الكتاب والفتوى إلى الشاشة والمنبر، نسج يوسف القرضاوي مسيرة طويلة اتسمت بالحركة والجدل والتأثير.
وبين مؤيد يرى فيه أحد أبرز مجددي الفقه الإسلامي في العصر الحديث، وناقد يختلف مع بعض مواقفه واجتهاداته، يبقى الشيخ يوسف القرضاوي شخصية محورية في تاريخ الفكر الإسلامي المعاصر، وعالمًا ترك وراءه مكتبة واسعة ومشروعًا علميًا سيظل حاضرًا في النقاشات الفكرية والفقهية لسنوات طويلة.



