عمّان – البوصلة
في وجهٍ وقورٍ يختزن سنين طويلة من البحث والسفر والجدل العلمي، تتجلى ملامح الدكتور زغلول راغب النجار كمن يحمل في ملامحه قصة علمٍ وإيمانٍ امتزجا حتى غديا مذهبًا فكريًا قائمًا بذاته.
عالم الجيولوجيا الذي جاب القارات باحثًا عن أسرار الأرض، عاد ليقرأ في تضاريسها آيات الله قبل أن يقرأ معادلاتها.
بين الصخور والسماء
وُلد زغلول النجار في مصر في منتصف القرن العشرين، فكان منذ نعومة أظفاره مولعًا بالطبيعة وأسئلتها، يلتقط حجارة النهر لا ليلهو بها، بل ليتأمل حكايتها.
درس الجيولوجيا ليبحث في أصل الأرض، فوجد نفسه يقرأ في أصل الخلق. لم يكن العلم عنده مجرد وسيلةٍ للتفسير المادي للعالم، بل طريقًا يقود إلى الإيمان بالعظمة التي أبدعت هذا الكون.
حصل على درجة الدكتوراه في علوم الأرض من جامعة ويلز البريطانية، وبدأ مشواره الأكاديمي محاضرًا وباحثًا في كبرى الجامعات، من بريطانيا إلى المملكة العربية السعودية وقطر، ثم إلى مصر، حيث كرّس جزءًا كبيرًا من حياته للتدريس والبحث والنشر العلمي.
العلم في محراب الإيمان
حين يتحدث الدكتور النجار، لا تشعر أنك أمام جيولوجي فحسب، بل أمام داعية علمٍ وإيمان يرى في كل خلية من الوجود دليلاً على الخالق. لم يكن علمه جافًا ولا خطابه دعويًا تقليديًا، بل مزيجًا من المنهج العلمي والروح القرآنية.
ففي كل محاضرة له، تتقاطع المصطلحات العلمية مع الآيات القرآنية في نسيج واحد، حيث يقول: “القرآن كتاب هداية لا كتاب علم، لكنه لا يمكن أن يتصادم مع الحقائق العلمية أبدًا.”
من هنا برز اسمه في العالم الإسلامي كأحد أبرز روّاد الإعجاز العلمي في القرآن الكريم، وهو الميدان الذي جعل منه جسرًا بين العلماء والدعاة، وبين العقل والنص، وبين المختبر والمنبر.
رسالة تتجاوز الجغرافيا
لم يقف الدكتور زغلول النجار عند حدود الجيولوجيا، بل تعدّاها إلى الفكر والتأمل في السنن الإلهية. في محاضراته التي جابت العواصم من جاكرتا إلى الدوحة، كان يحمل رسالة واحدة: أن العلم إذا لم يورث صاحبه خشيةً، فقد أضاع غايته.
ويحكي مقربون منه أنه كان يقضي ساعاتٍ في قراءة القرآن بعد مراجعة أبحاثه العلمية، فيرى في كل اكتشاف حديث “تصديقًا جديدًا لآية قديمة”.
بين النقد والجدل
لم تخلُ مسيرة الدكتور النجار من الجدل والنقد؛ فمدرسة “الإعجاز العلمي” التي يعد من أبرز منظّريها، أثارت نقاشًا واسعًا بين مؤيد يرى فيها بابًا لربط الشباب بالإيمان، وناقد يخشى من تحميل النصوص ما لا تحتمل.
لكن الرجل بقي ثابتًا على قناعته بأن المعرفة لا تصطدم بالوحي بل تكمله، مؤكدًا أن مقاصده ليست “تفسير القرآن بالعلم”، بل “تأمل العلم في ضوء القرآن”.
العالِم الذي لم يعتزل المنبر
ورغم تجاوزه التسعين من العمر، ظل الدكتور زغلول النجار حاضرًا في المؤتمرات والمنصات الإعلامية، بذاكرة حاضرة وصوت يفيض حماسة وإيمانًا، يكتب، ويحاضر، ويُذكّر بأن العقل البشري أمانة من الله لا تُكرّس إلا في معرفة الخالق من خلال مخلوقاته.
وفي كل ظهور له، يبدو كمن يواصل رحلة بدأها قبل عقود ولم يكتمل شغفه بعد، رحلة البحث عن الله في أدق ذرات الكون.
العلوم تكمّل طريق الروح
في زمنٍ يتنازع فيه العلم والمادة، يقف زغلول النجار شاهدًا على أن العلوم لا تكتمل إلا إذا أنارت طريق الروح. هو نموذج للعالم الذي لم ينسَ الإنسان في خضم التجربة العلمية، ولم ينسَ الإيمان وهو يغوص في معادلات الأرض.
من قلب الجيولوجيا خرج ليقول للعالم: “في كل صخرة آية، وفي كل ذرة حكمة، ومن لم يرَ الله في العلم فلن يراه في شيء آخر.”
وفاة الدكتور زغلول النجار
وبرحيله الدكتور زغلول النجار – رحمة الله تعالى رحمة واسعة – بعد مسيرة علمية وفكرية امتدت لعقود، ترك خلالها إرثاً معرفياً واسعاً من الكتب والمحاضرات والتأمّلات التي جمعت بين العلم والدين؛ لكن ما زرعه في عقول وقلوب طلابه ومحبّيه يبقى مستمراً كنور يُشعّ.
في وداعه، خسره ميدان الدعوة والعلم، ورحل العالم المُنهمك خلف أسرار الكون إلى دار القرار، حاملاً معه رسالة تقول إن العلم والروح يمكن أن يلتقيا في درب واحد، ليسا طريقين متفرّقين.
وعمّ الحزن الأوساط الدعوية والعلمية، إذ نعاه العلماء والدعاة ومحبوه في مختلف الدول، مؤكدين أن الأمة فقدت عالمًا حمل همّ الدعوة بعقل المفكر وقلب المؤمن.
(البوصلة)



