العالم الإسلامي يحتفي بالذكرى الـ149 لميلاد محمد إقبال
عمّان – البوصلة
في التاسع من نوفمبر عام 1877، وُلد في مدينة سيالكوت الباكستانية طفلٌ سيغدو يومًا ما صوتَ أمةٍ بأكملها، وضميرَ شرقٍ يبحث عن ذاته بين الغزاة والمستعمرين.
كان اسمه محمد إقبال، ولم يكن يعلم أن قصيدته الأولى ستكون نواةَ دولة، وأن بيانه الشعري سيصير دستورًا لأمةٍ كاملة تبحث عن كيانها وهويتها.
كبر إقبال بين أزقة سيالكوت الحالمة، في بيتٍ متواضعٍ حفظ فيه القرآن، وتعلّم اللغة العربية والفارسية، فانبثقت في نفسه بذور الحكمة والحلم.
ومن هناك بدأ رحلته الطويلة في طلب العلم، متنقلًا بين لاهور وكمبردج وميونخ، يلتقط من الشرق روحه ومن الغرب أدواته، حتى عاد إلى وطنه حاملاً شهادة الدكتوراه في الفلسفة، لكنّه كان يحمل في قلبه ما هو أثمن من ذلك، كان يحمل رؤيةً لأمةٍ تبحث عن نهضتها.
عرف إقبال منذ شبابه أن الشعر ليس زينة اللسان بل رسالة الروح، فكتب باللغتين الأردية والفارسية شعرًا تتوهج فيه الفكرة كما تتوهج النار في العتمة.
حمل شعره نَفَسًا صوفيًّا رفيعًا، يجمع بين وجد العاشق وحكمة الفيلسوف، حتى لقّبه الناس بـ”شاعر الإسلام” و”شاعر الشرق”.
لم يكن يكتب عن الفرد وحده، بل عن الأمة، عن الإنسان حين يفقد وعيه بذاته، وعن الإيمان حين يصبح وقودًا للحياة.
حين تغنّت أم كلثوم بقصيدته حديث الروح، سرت كلماته في القلوب كما يسري النور في الماء، يقول فيها:
حديث الروح للأرواح يسري، وتدركه القلوب بلا عناء
هتفت به فطار بلا جناح، وشقّ أنينه صوت الفضاء
تجلّت في شعره فلسفة الذات والكرامة والحرية، وكان يرى أن المسلم لا ينهض إلا حين يدرك قيمته في الكون، ويستعيد صلته بخالقه وبالعمل والإبداع. لم يكن شاعرًا يبكي الماضي، بل كان فيلسوفًا يستنطق المستقبل، ويدعو إلى تجديد الفكر الإسلامي ليواكب العصر دون أن يفقد جوهره.
في عام 1931، أطلق إقبال فكرته العظيمة، فدعا إلى إقامة دولة مستقلة لمسلمي شبه القارة الهندية، وقال إن أمةً بهذا التاريخ لا يمكن أن تذوب في محيطٍ غريب عنها. تلك الدعوة كانت الشرارة الأولى لقيام دولة باكستان، فصار إقبال بحقّ الشاعر الذي أنشأ دولة، والضمير الذي استيقظت به أمة.
كان إقبال بسيطًا في حياته، رقيقًا في شعوره، عميقًا في تأملاته، يجالس الفقراء ويخاطب العلماء، ويرى في الإنسان مشروعًا لا ينتهي. لم تغره المناصب التي عرضها عليه الإنجليز، فرفضها جميعًا، واختار أن يعيش في بيته المتواضع في لاهور يكتب ويعلّم ويؤمن بأن الكلمة الصادقة أقوى من السيف.
ضعف بصره في سنواته الأخيرة، واعتزل المحاماة، لكنه لم يعتزل الحلم، وكان يعيش على منحةٍ صغيرة لأجل أطفاله الثلاثة، حتى وافته المنية في الحادي والعشرين من أبريل عام 1938، قبل أن يرى حلمه يتحقق بخمس سنوات، يوم رفرفت راية باكستان المستقلة.
قال في ساعاته الأخيرة وكأنه يودّع الدنيا كلها:
ليت شعري، هل تعود النغمة التي أرسلتها في الفضاء؟
وهل تعود النغمة الحجازية؟ فليت شعري، هل حكيمٌ يخلفني؟
رحل إقبال جسدًا، وبقيت كلماته تفيض حياة، وبقيت الأمة التي ألهمها تسير على خطاه، تذكره كل عام لا كشاعرٍ فحسب، بل كرسول فكرٍ وروحٍ أقام دولةً بالكلمة، وأيقظ الشرق من سباته بالشعر والإيمان.
(البوصلة)



