يشكّل تصنيف الأردن في المرتبة 142 من أصل 180 دولة في مؤشر حرية الصحافة لعام 2026، الصادر عن “مراسلون بلا حدود”، صفعة جديدة لواقع حرية الصحافة في البلاد ، ونقطة انطلاق ضرورية لفهم واقع الإعلام المحلي، ليس فقط من زاوية الرقم، بل من زاوية ما يعكسه من انطباع سلبي عام مبني على جملة من الحقائق والمؤشرات
“مراسلون بلا حدود” تبني تقريرها الذي يقيس الأداء عبر خمسة معايير رئيسية، لا يقدّم مجرد ترتيب، بل قراءة مركبة لحالة الحريات الإعلامية.
وبعد مطالعة ما ورد في المعايير ومؤشراتها يمكن القول إن الأردن حافظ على قدر من الاستقرار الإعلامي مقارنة ببيئات إقليمية أكثر اضطرابًا، فلا تُسجّل مستويات مرتفعة من العنف الجسدي ضد الصحفيين، كما أن هناك هامشًا من التعددية الإعلامية، خاصة في الفضاء الرقمي، إضافة إلى ما تشير إليه بعض القراءات الرسمية إلى تحسن نسبي في الترتيب مقارنة بأعوام سابقة، وهو ما يُقدَّم كدليل على وجود مسار إصلاحي تدريجي، على المستوى الإعلامي، وأكثر أهمية على المستوى السياسي والاقتصادي من جانب آخر.
لكن ما يجب قوله إن نتائج تقرير “مراسلون بلا حدود”، يذهب إلى أن هذا التحسن الرقمي المحدود لا يعكس تحولًا نوعيًا في البيئة الإعلامية، فبقاء الأردن ضمن فئة “الوضع الصعب” يعني أن القيود ما تزال هي السمة الغالبة، خصوصًا في بعدين أساسيين هما السياسي والقانوني، إذ يشير التقرير – وهو ما يُلمس لدى ممارسي المهنة – إلى وجود خطوط حمراء غير مكتوبة، وتشريعات فضفاضة، يدفعان الصحفيين نحو الرقابة الذاتية، الأمر الذي يُضعف جوهر العمل الإعلامي القائم على المساءلة.
كما تبرز الإشكالية القانونية كأحد أبرز مفاصل الأزمة؛ فالقوانين الناظمة، بما فيها التشريعات المرتبطة بالنشر الرقمي، وقانون الجرائم الإلكترونية -سيء الصيت-، تُستخدم أحيانًا كأدوات ضبط أكثر منها ضمانات حماية، وهذا ينعكس مباشرة على بيئة العمل الصحفي، حيث يصبح هامش الحركة مقيدًا، ليس فقط بالخوف من العقوبة، بل بعدم وضوح الحدود القانونية ذاتها مع ضعف مظلة الحماية بشتى أشكالها لا سيما القانونية، التي يتمتع بها الصحفي.
اقتصاديًا، لا تبدو الصورة أفضل، فضعف نماذج التمويل المستقلة، واعتماد العديد من وسائل الإعلام على الإعلانات أو الدعم غير المباشر، وما يتبع ذلك من تضارب للمصالح، يضعف من استقلالية القرار التحريري، وهنا يلتقي الاقتصادي مع السياسي، ليشكّلا معًا بيئة ضاغطة تحدّ من قدرة الإعلام على أداء دوره- لا سيما – الرقابي بحرية، بل استطيع وصف الحال وبكل تجرد ” يكفي أن نستمر على قيد الحياة “
ورغم أن المجتمع الأردني لا يُصنّف كبيئة عدائية تجاه الصحفيين، إلا أن العامل الاجتماعي والثقافي يساهم أيضًا، بشكل غير مباشر، في تكريس الرقابة الذاتية، خصوصًا في القضايا الحساسة، وهو ما يجعل القيود متعددة في مستوياتها رسمية وغير رسمية، مباشرة وغير مباشرة إلا أن هذا البعد أخف من ناحية التأثير على حرية العمل الصحفي من غيره ويظهر هذا جلياً أيضا في التقرير.
المفارقة اللافتة في الحالة الأردنية هي أن الاستقرار الأمني، الذي يُفترض أن يكون عاملًا مساعدًا على توسيع الحريات، لم يترجم إلى انفتاح إعلامي، بل على العكس، يبدو أن القيود تُدار بشكل مؤسسي هادئ، يجعل البيئة مستقرة في ظاهرها لكنها مقيدة فعليًا، ليس أدل على ذلك من بيان نقابة الصحفيين في تحفظها على بعض المؤشرات الدولية المتعلقة بقياس حالة الحريات العامة بينما لا تحرك ساكنًا في ملفات تؤثر على عمل الصحفيين بشكل يومي نعود مرة أخرى لقانون الجرائم الالكترونية، وقيود الإعلام غير المباشرة من القوانين والأنظمة والتعليمات التي تعطل عمل الصحفيين وهذا موضوع آخر يحتاج للاستفاضة فيه لاحقا.
وعند وضع هذه المعطيات في سياقها الدولي، فإن بقاء الأردن في الثلث الأخير من التصنيف العالمي، مع فجوة تتجاوز 100 مرتبة عن الدول المتقدمة، يعكس تحديًا حقيقيًا يتجاوز البعد الإعلامي ليصل إلى صورة الدولة وموقعها في مؤشرات الحوكمة والشفافية وهذا أخطر ما في الأمر حتى لو نوسم بهذه السمة.
خلاصة القول إن تقرير مراسلون بلا حدود لا يقدّم حكمًا نهائيًا بقدر ما يقدّم تشخيصًا واضحًا قبلنا به أو رفضناه أو حاججناه ،المشكلة في الأردن ليست في غياب الإعلام، بل في حدود حركته، وبين خطاب رسمي يتحدث عن تحسن تدريجي، وواقع مهني يشير إلى قيود مستمرة، تبقى الحاجة ملحّة للانتقال من إدارة الإعلام إلى تمكينه.
فالمراجعة المطلوبة اليوم ليست تجميلية أو رقمية، بل هي مراجعة هيكلية للسياسات الإعلامية بقناعة من جميع الأطراف نحو تمكين الإعلام، تبدأ من التشريعات، ولا تنتهي عند ضمان بيئة تسمح للصحافة بأن تمارس دورها الطبيعي من نقل الحقيقة، ومساءلة السلطة، والتعبير عن المجتمع دون قيود تعيق وظيفتها الأساسية.

(البوصلة)



