الجندي الأردني في معركة القدس عام 1948: بطولة الميدان ووجع الخذلان
لم تكن معركة القدس عام 1948 مجرد مواجهة عسكرية عابرة في سجل الحروب، بل كانت ملحمة من ملاحم الصمود والتضحية، اختلطت فيها دماء المقاتلين بتراب الأرض المقدسة، ووقف فيها الجندي الأردني على أسوار القدس مدافعا عن مدينة تتجاوز مكانتها حدود الجغرافيا، وتحمل في وجدان العرب والمسلمين تاريخا من الإيمان والحضارة والكرامة. في تلك الأيام العصيبة، لم يكن المقاتل الأردني يحمل بندقيته وحدها، بل كان يحمل مسؤولية الدفاع عن الأرض والإنسان والهوية، ويواجه عدوا يسعى إلى فرض واقع جديد بالقوة، في ظل ظروف سياسية وعسكرية بالغة التعقيد، وإمكانات محدودة، وتفاوت واضح في موازين القوى. ومع ذلك، لم تكن قلة الإمكانات قادرة على إطفاء جذوة الإيمان بالواجب، ولم يكن الخطر كفيلا بأن يثني أولئك الرجال عن أداء مسؤوليتهم. فقد قاتلوا في أزقة القدس وأحيائها وعلى مداخلها، وتمسكوا بمواقعهم، وبذلوا أرواحهم دفاعا عن المدينة وأهلها، فكتبوا بدمائهم صفحات مضيئة في تاريخ الجيش العربي الأردني، وأثبتوا أن قيمة الجندي لا تقاس بما يملكه من سلاح فحسب، بل بما يحمله من إيمان بقضيته، واستعداد للتضحية في سبيل وطنه وأمته.
وفي قلب هذه الملحمة، برز القائد عبد الله التل رحمه الله، بوصفه أحد الضباط الذين ارتبطت أسماؤهم بمعارك القدس، وقائدا للكتيبة السادسة التي كان لها دور بارز في الدفاع عن المدينة. لم تكن تجربته مجرد رواية عن تحركات عسكرية ومواقع دفاعية، بل شهادة على ما واجهه المقاتلون من مشاق، وما أبدوه من شجاعة، وما أحاط بمعركتهم من تعقيدات تجاوزت حدود الميدان. لقد خاض الجنود مواجهات شرسة في ظروف قاسية، وكان عليهم أن يوازنوا بين واجب القتال، وحماية المدنيين، والمحافظة على المواقع الحيوية، في وقت كانت فيه القرارات السياسية والعسكرية تؤثر بصورة مباشرة في مسار المعركة ونتائجها. وقد أظهرت الوقائع أن الجندي الذي يقف في الخندق قد يكون أكثر وضوحا في رؤيته لخطورة الموقف من أصحاب القرار البعيدين عن صوت الرصاص. فالمقاتل يرى رفاقه يسقطون، ويعاين حاجة الجبهة إلى الإمداد والتعزيز، ويعرف أن لحظة التأخير قد تساوي حياة إنسان أو سقوط موقع، ولذلك فإن البطولة في الميدان لا تنفصل عن مسؤولية القيادة، كما أن التضحية لا ينبغي أن تتحول إلى وسيلة لتغطية الخلل في التخطيط أو القرار. ومن هنا تكتسب شهادة عبد الله التل رحمه الله أهميتها؛ لأنها تفتح باب التأمل في العلاقة بين شجاعة المقاتلين، وكفاءة القيادة، ومسؤولية القرار السياسي والعسكري عن النتائج التي تترتب عليه.
وقد شهدت معارك القدس صورا لافتة من الصمود والتعاون بين المقاتلين، ومن ذلك القتال في البلدة القديمة، حيث خاضت القوات المدافعة مواجهات قاسية، وتمكنت من محاصرة الحي اليهودي وإجبار المدافعين فيه على الاستسلام، في واحدة من المحطات البارزة في معركة القدس. ولم تكن هذه النتائج لتتحقق بجهد فئة واحدة بمعزل عن الآخرين، بل جاءت ثمرة تضحيات جنود وضباط ومقاتلين ومتطوعين آمنوا بأن الدفاع عن القدس مسؤولية مشتركة. وفي خضم القتال، تتجلى حقيقة كثيرا ما يغفل عنها من يقرأون التاريخ من بعيد: أن النصر أو الصمود لا يصنعه السلاح وحده، وإنما تصنعه الإرادة، والانضباط، وحسن التدبير، والتعاون بين المقاتلين، والثقة المتبادلة بينهم. كما أن الجندي الذي يخوض معركته لا يملك دائما صورة كاملة عن الحسابات التي تحيط به، ولا يستطيع أن يتحكم في القرارات التي تصدر من خلف خطوط المواجهة، لكنه يملك أن يؤدي واجبه بأمانة، وأن يحافظ على شرفه العسكري، وأن يبذل ما يستطيع دفاعا عن الأرض التي يقف عليها. ولهذا فإن الحديث عن معركة القدس لا يكتمل بمجرد تعداد المواقع التي ثبتت أو سقطت، ولا بمجرد استعراض أسماء القادة والعمليات، بل لا بد من استحضار الإنسان الذي حمل عبء المعركة، والمقاتل الذي واجه الموت، والأسرة التي انتظرت عودته، والجرحى والشهداء الذين تركوا وراءهم ذاكرة لا يجوز أن تمحوها تقلبات السياسة أو اختلاف الروايات.
ومع كل ما سطره الجيش العربي الأردني من بطولات، تبقى قراءة معركة القدس مدعاة إلى التأمل في الفجوة المؤلمة التي قد تنشأ بين تضحيات المقاتلين ونتائج القرارات التي تتخذ بعيدا عنهم. فقد يقدم الجنود من أرواحهم وجهدهم ما يفوق الوصف، ثم يجدون أن ما تحقق في الميدان لا ينعكس بالقدر الذي يستحقونه على النتيجة النهائية، بسبب اختلالات سياسية أو عسكرية أو حسابات تتجاوز إرادتهم. وهنا ينبغي التفريق بين المقاتل الذي يؤدي واجبه في ساحة القتال، وبين أصحاب القرار الذين يتحملون مسؤولية رسم السياسات وتحديد الأهداف وتوفير متطلبات المعركة. إن الوفاء للجنود لا يكون بالاكتفاء بتمجيد شجاعتهم، بل يقتضي أيضا دراسة ما أحاط بمعاركهم من ظروف، وفهم أسباب الإخفاقات، ومساءلة القرارات التي أهدرت الفرص أو حدت من ثمار التضحيات، بعيدا عن التعميم أو إصدار الأحكام بلا بينة. فالتاريخ ليس رواية للبطولات وحدها، كما أنه ليس سجلا للخيانات والانتكاسات فحسب؛ إنه محاولة لفهم ما حدث، والتمييز بين من بذلوا أرواحهم دفاعا عن أرضهم، ومن امتلكوا سلطة القرار وما ترتب عليها من نتائج. ومن حق الأجيال أن تعرف أن البطولة الفردية والجماعية قد تكون عظيمة حتى عندما لا تحقق المعركة كل أهدافها، وأن تعثر النتائج لا ينتقص من قيمة الشهداء، ولا يسقط حق الشعوب في الدفاع عن أوطانها. إن الدرس الأعمق من القدس هو أن دماء المقاتلين أمانة في أعناق القيادات، وأن صون تلك الأمانة يقتضي وضوح الهدف، وصدق القرار، وحسن الإعداد، وعدم التفريط بالحقوق أو ترك الميدان لتتحمل فيه الجندية وحدها تبعات أخطاء لم تصنعها.
وسيظل الجندي الأردني الذي وقف على أسوار القدس نموذجا للكفاح الوطني ورمزا للوفاء للأرض والكرامة. لقد قدم القائد عبد الله التل رحمه الله ورفاقه من رجال الجيش العربي الأردني دروسا خالدة لكل من ينشد حرية وطنه وإنهاء الاحتلال، قوامها صدق الانتماء، والثبات على الحق، والإخلاص للواجب، وعدم الركون إلى العدو أو التفريط بالحقوق. وتبقى سيرتهم شاهدا على حق الشعوب الأصيل في الدفاع عن أوطانها، وصون كرامتها وسيادتها، واستعادة حقوقها المشروعة، وتحرير أرضها من كل احتلال. فليس على الجندي إلا أن يبذل من نفسه وماله وجهده ما يستطيع دفاعا عن وطنه، أما التضحيات والنتائج والعواقب فبيد الله وحده؛ وعلى الإنسان أن يؤدي واجبه بإيمان وثبات، وألا يجعل صعوبة الطريق أو غياب ضمانات النصر ذريعة للتراجع عن مسؤوليته. رحم الله القائد عبد الله التل ورفاقه وشهداء الجيش العربي الأردني، وجعل تضحياتهم منارة لكل من يحمل أمانة الدفاع عن وطنه، ويتمسك بحقه في الحرية والكرامة، ويسعى إلى استرداد أرضه وصون سيادته، حتى تنعم الشعوب بأوطان حرة، مصونة الكرامة، خالية من الاحتلال والعدوان.
(البوصلة)



