د. أحمد داود شحروري
Facebook
X
WhatsApp
Email
Telegram

الثامن من شهر كانون أول (12/8)

د. أحمد داود شحروري

كان ذلك عام ١٩٨٧م ، عندما انبعثت شرارة انتفاضة الحجارة ، معمعة خاضها أهل ضفة نهر الأردن الغربية ضد الصهاينة المعتدين إثر صدم سائق شاحنة صهيوني لمجموعة من الفلسطينيين عند حاجز إيرز الفاصل بين غزة وفلسطين المحتلة عام ٤٨ ، لتمتد هذه الانتفاضة الحجريّة قرابة ثلاث سنوات وليكون لها ما بعدها من تأسيس نواة الردع الثوري الفلسطيني لآلة البطش الصهيونية على كل أصعدة الحياة  .

 ١٩٨٧/١٢/٨ كان يوما فارقا علم بعده العدو المحتلّ أنّ جرائمه لن تمرّ دون مساءلة ، وأنّ الفلسطيني ما عاد يركن إلى قرارات شجب يصدرها مجلس الأمن ، وأنّ الطفل الفلسطيني الذي كان يمسك الحجر بيده الغضة ليرمي به الجندي الصهيوني لا يملك القدرة على حساب ردات الأفعال ، وكل الذي يعرفه أن هذا العدو قاتل وأن غاية ما وصلت إليه يده حجر هو عنده البندقية بل الصاروخ الذي يستفرغ فيه طاقته حيث لا بديل .

ومن أدب الانتفاضة الأولى يومئذ كلمات غنتها الفرق الفنية الداعمة للمقاومة الحجريّة انتشرت كلماتها في العالم كله قبل أن يُعرف مصطلح (ترند) ، تقول الأغنية : (١٢/٨ أشعلناها بإدينا ، والعالم كله عم يتفرّج علينا ، يا فلسطين لأجلك عالجمر مشينا ، والنصر قرّب يا يمّا وتعدّينا) .

كلمات الأغنية هذه تقرر أمورا غاية في التعبير الفصيح برغم أنها كتبت بالعامية ، إنها تقرر أولا أن قرار الانتفاضة محلّي لا إملاء فيه من أحد ، وتقرر ثانيا خذلان العالم المتفرج على الدم الفلسطيني المهراق ظلما ، وتقرر ثالثا أن طريق المقاومة مفروش بالجمر فهو الموت الزؤام ، وأن أطفال الضفة كانوا جاهزين لدفع الثمن من أجساد ما زالت تبدل أسنانها ، وتقرر رابعا أن النصر قريب ، وقد مضى على تلك الانتفاضة قريبا من أربعين سنة إلا أنها قصيرة إذا قيست بعمر الزمان وأحداثه .

وتأبى فلسطين ومقاومتها إلا أن تشترك بترتيب أحداث المنطقة ، فها هو طوفان الأقصى يعيد ل ١٢/٨ ألقه من جديد ، فيقضي الله لسورية العزيزة في هذا التاريخ أن تكتب أول سطور تحررها من نظام جثم على صدرها ستة عقود ، وببركات أحداث الطوفان الذي يرتبط بجذور ما كان في الانتفاضة الحجريّة الأولى ، فالطوفان هو الذي ساعد على تحييد إيران ، في وقت كانت روسيا قد وصلت إلى قناعة أن نظام سورية المحنط لم يعد قادرا على البقاء في ظل ترهل جيشه وانعزال رأسه العفن عن جسد سائر النظام وعن الشعب كذلك ، فقررت روسيا أن ترفع يدها فتكفّ عن دعم جسد ميت ، وهكذا كان ١٢/٨ من جديد تاريخاً يستحقّ أن يخلد .

سيقرأ كلامي هذا من يرمون الثورة السورية بالخيانة ومدّ اليد للتواصل مع الصهاينة ، والتعليق على رأيهم هذا يحتاج إلى مقالات ، لكن زياراتي المتكررة إلى سورية بعد التحرير -لما لي فيها من رحم يوصل-أسمعتني تعليق كثير من السوريين على الثورة وملخصه أن “حظنا من هذه الثورة أنها أنقذتنا من بشار وبطانته ، وأن المستقبل يتكفل به الله” ، وهذا حكم مغرق في البساطة ولا شك ، لكنها كلمات غريق ، مطلوب منا ألا نفسد عليه فرحته بانعتاقه لتوّه من أمواج كانت تبتلعه في كل لحظة وتلقيه على شطآن الضياع .     

١٢/٨ سيظل يوما مشهودا محفوظا في ذاكرة بلاد الشام ، ومن يدري فلعله يُرصَد مرة ثالثة شاهدا على حدث يعيد بلاد الشام إلى سابق وحدتها وعزها ومجدها كما كانت دائما محجا لأهل العلم وأهل الرباط وأهل السياسة الراشدة ، وعلى الله قصد السبيل .

(البوصلة)

Related Posts