نشرة فاعتبروا (347): المتصدق بغير حساب

نشرة فاعتبروا (347): المتصدق بغير حساب

بقلم المرحوم بإذن الله الدكتور عبدالحميد القضاة

كان على عهد رسول الله- صلى الله عليه وسلم- في “المدينة المنورة” رجل طويل القامة، عريض الكتفين، مضيء الوجه، وكان غنيًّا واسع الثراء . وكان أيضا تاجرًا ناجحًا تدر عليه تجارته أموالاً طائلة حتي إنه كان يقول :  لقد رأيتني ، لو رفعت حجرًا .. لوجدت تحته ذهبًا وفضة ..

  إنه الصحابي الجليل “عبد الرحمن بن عوف” الذي دخل في الإسلام وهو شاب في مقتبل العمر، فقد كان واحدًا من أول ثمانية دخلوا في الإسلام .

  وكان من الصحابة المقربين عند رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ، كما كان مثالاً للمسلم المؤمن الذي نشأ في الإسلام، وتربي علي يدي الرسول- صلى الله عليه وسلم .

والمدهش أن هذا الرجل الغني كان يشعر بالخوف كلما زاد غناه، واتسعت تجارته وتكاثرت أمواله؛ لأنه يخشي أن يكون ممن يشملهم قول الله- تعالي- في القرآن الكريم:  “وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُم بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنتُمْ تَفْسُقُونَ (20)”(الأحقاف 20)

  وكان عبد الرحمن بن عوف يخشي الحساب يوم القيامة؛ لأنه يعلم أن من كثر ماله طال حسابه. وقد من المؤمنين الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه؛ لذا فإنه كان يتصدق من أمواله بغير حساب شكرًا لله علي نعمه، فيجد أن الله يضاعف له أمواله أضعافًا مضاعفة، لأن الله يقول : “لئن شكرتم لأزيدنكم” .

وقبل أن يتوفي أوصي بخمسين ألف دينار في سبيل الله ، وأوصي لكل من بقي ممن شهدوا غزوة بدر بأربعمائة دينار، وفي العام الثاني والثلاثين من الهجرة توفي عبد الرحمن بن عوف  رضي الله عنه وعن الصحابة أجمعين .

المواظبة ولو بالقليل

الناس لا ينقسمون إلى ناجح و فاشل بل إلى:  مُواظب صابر ..و مُتعجّل الثمرة سريع المَلل .. اجعلْ فعل الخير و التفوّق عادةً يوميّة لك تواظب عليها و لو بالقليل و لا تفعله لمجرّد أن تُحقّق منه هدفا ثم تتركه ..

فلا تضع في ذهنك أنّك تقرأ القرآن بهدف الحفظ فقط ثم يقلّ اهتمامك به، و لا تُرشّد تناول الطعام لمجرّد إنك مريض أو تريد انقاص وزنك… بل اجعل هذا عادة لك في طعامك لا تخرج عنها إلا نادرا

-و لا تدرس دورة مُركّزة في تعلّم لغة أجنبية تنقطع لها  ثم تنتهي علاقتك بتلك اللغة  ،بل اجعل الكلام بهذه اللغة مُستعملا في يومك و مُمارسا في حياتك مع حفظ كلمتين أو ثلاث ،مع جُملة يوميّا ..

و هكذا ..الممارسة والمواظبة و الاستمرار، وليكن تقييمُك لنفسك ليس على أساس:  ماذا حقّقت ،بقدر ما يكون : هل واظبتَ  أم لا ..

فإن المواظبة و تراكُم القليل على القليل و الصبر يُكسب النفس قُدرات و يعود عليها بفوائد أعظم بكثير جدا من الأهداف السريعة وتذكر الحديث الصحيح ( أَحَبُّ الأعمالِ إلى اللهِ أدْومُها و إن قَلَّ)

اقرأ أيضاً

Facebook
X
WhatsApp
Telegram
Email