(١)
الكلمة خطابا أو كتابة أصبحت مُكلِفة في هذا الزمان ، فلقد أُنزِلَت الكلمة الفصيحة عن المنبر وحلّت محلها كلمة تائهة ممطرة في الصيف مطر تراب ، حابسة في الشتاء حبس عذاب ، واعتُقِلت الكلمة في طيّ سطور قانون الجرائم الإلكترونية باعتبار الكلمة الصريحة موجعة حدّ الجريمة ، وهل أكبر جريمة من أن تفهم ثم تعبّر عما فهمت ؟
(٢)
حدثتني أمي عما قبل عقود خلت ، عن “أبو حنيك” وحقبته ، يوم كان الأفراد يتوافدون للالتحاق بالخدمة فينظر أبو فارس في واحدهم من أعلاه إلى أخمص قدميه ، فإن وجد في رجله نعلا رفضه وإن كان حافيا عيّنه …. لمسة حنان .
(٣)
العدل له صور عديدة ، حدث قبل نصف قرن أن كان عندنا ضيف ، فلما خرج كمن له مجموعة من البلطجية وضربوه “علقة” جامدة ، فاشتكاهم للقضاء وأتي بأبي شاهدا ، فصُدم والدي رحمه الله بمنطق القاضي الذي رفض أن يسمع يومها إلا ما يريد ، ونهر والدي قائلا : تجيب على قدر سؤالي ولا تزيد !! ولم أشهد على تدريس هذا الشكل من العدل في جامعاتنا من يومها برغم أني أستاذ في كلية الحقوق منذ عقود .
(٤)
أنتهكت حرمة قاعة الدرس في مراحل تعليمنا كلها كما أنتهكت حرمة المسجد ومنبره ، كان السلف يطلبون العلم لله فإن طلبوه لغير الله أبى العلم إلا أن يكون لله كما قال أبو حامد الغزالي رحمه الله ، واليوم صار العلم وسيلة للمنصب والجاه وللزواج ، فلا يستغرب بعدها إن كانت شهادة أحدهم أكبر منه كثيرا وإن كان صدى بهرجها أعلى من صدى تأثيره في نفوس سامعيه ، ولقد استفزّني حين صليت في أحد المساجد حال الخطيب ومقاله فإذا هو يخطب في ذات المسجد منذ خمس عشرة سنة ويحمل شهادة الدكتوراة ، وما ظننته إلا مهندسا أو طبيبا لم يدرس فنّ الخطابة ، وإن منهم لمن يملأ المكان والأسماع لو ارتقى مرتقاه وعلا في بيوت الله علوّه !!
(٥)
يا قوم ، لا تخشوا ممن يتكلم بصراحة ، فما يُخشى إلا الصامتون ، فإن السكوت عن الحقّ شيطنة ، وإن السكوت من علامات ضعف الأمة واستكانتها ، وأنى لأمة مستكينة أن تفلح ؟!
يا قوم ما فاز النائمون ولا الصامتون ، وبئست الأمثال الشعبية التي أولها : “ما فاز إلا النّوّم” وليس آخرها : “اربط الجحش محلّ ما قلّك صاحبه” ، والسلام .
(البوصلة)



