د. أحمد داود شحروري
Facebook
X
WhatsApp
Email
Telegram

جيشنا وحِكمتنا وغراب البين

د. أحمد داود شحروري

مَن هذا الذي يدّعي أن عشاق المقاومة يشتمون جيشنا العربي الذي طالما تغنّينا بدوره في حفظ شرفنا وطالما اعتززنا بقيمته في نفس كل عاقل منتسب لهذه الأمة ؟؟

مَن هذا الذي يسمع في ذبذبات أصوات الهاتفين لفلسطين ومقاومتها نغمة نشازا تعبر عن كراهية للجيش وتشكيلاته ؟؟

مُنذ انطلق طوفان الأقصى ومرضى الوسوسة الأمنية يرون في الحراك الشعبي المؤيد للطوفان خطرا على الأمن الداخلي ، في حين ينبغي أن يُنظر إليه على أنه علامة تلاحم بين أفراد الشعب وتوافق في تحقيق هدف نبيل واحد هو نصرة الحق وأهله على ثرى فلسطين ، أوليس غريبا أن يثور الغرب وتضجّ شوارعه بالاحتجاج على إرهاب الصهاينة في حين يرى العرب أن ذلك ليس مما يتوافق مع أمنهم واستقرارهم ؟!

كنت في الساعات الفائتة أتأمل حال السوريين مع نظامهم السابق ، وكيف عمل غربان البين على إغلاق كل الطرق الموصلة إلى السلم الأهلي والتفاهم بين النظام والشعب ، الأمر الذي أضعف كل مقومات الدولة ، فالأمن ترهّل ، والجيش استُنزِف ، والحكومة عُطّلت سلطاتها حتى لم يبق سوى الرأس مفصولا عن جسده ومصدر قوته ، فسهل استئصاله ، وكنا وما نزال نتغزل بمدى عقلانية نظامنا السياسي الأردني وحكمته في التعامل مع الملمّات والأخطار ، لكن خفافيش السياسة لا يطيب لهم ذلك ، ومن أبرز هذه الخفافيش أفراد كانوا يعيشون في محيط الضوء المنير العامل لمصلحة الأمة شرقا وغربا ثم انفصلوا عنه وامتهنوا الكتابة ، أقصد الردح ، وهم يجتهدون للوصول إلى مآربهم عبر بذل جهود خارقة لشتم النور وروّاده ، حتى غدوا يشيطنون كل محذّر من تعطيل أدوار مؤسساتنا المدنية والعسكرية ، فهؤلاء تعودوا الكذب نفاقا لأولي الأمر ، فإذا سئلوا عن حال البلد في أي تفصيل من تفاصيل الحياة قالوا : كله تمام يا سيدي ، وكذبوا والله ، فأبرز ما في البلد من التمام هو (دجاج تمام )! كيف يكون “كله تمام”والناس لا يسمعون في إعلامنا إلا لونا واحدا من ألوان الطيف السياسي في بلدنا ؟ كيف يكون “كله تمام” ومجلس النواب كثيرا ما يشهد نقار ديكة بدل أن يمارس منطق السياسة في المداولات ؟ كيف يكون “كله تمام” وإذا نطق أحد النواب بحقيقة صادمة صوّتوا لحذفها من محضر الجلسة ؟ كيف يكون “كله تمام” وقد استُبعد أصلا أكبر حزب في البلد من رئاسات لجان المجلس مع سبق الإصرار ؟ كيف يكون “كله تمام” مع الإصرار غير المبرر على كتم صوت فضائية وطنية حكم القضاء بأنها سوّت أوضاعها ورفضت السياسة أن تنزع الكمامة عن فمها ؟!

كيف يكون “كله تمام”وما زالوا يصرون على استبعاد خطباء عن منابرهم وهم يشهدون لهم بالخيرية والكفاءة ؟

ثم يصيح غراب البين مشككًا في الحراك الشعبي، ويزعم أنّه يسيء لجيشنا العربي بهتافاته.  

يا قوم إنه ما من جيش في الدنيا يملك قرار تحركه من ذاته ، فالنظام السياسي هو الذي يقرر حركة الجيش ويرسم له سياساته ويشكّل عقيدته القتالية ، ولقد كان المطلوب ولا يزال أن نخوّف عدونا بجيشنا ، وليس بالضرورة أن نناجز العدو ولا أن تهجم جيوشنا عليه في كل وقت ، فالأمر تحكمه الحالة على الأرض ، لكن استحضار عدونا هيبة قواتنا المسلحة هو في ذاته حرب نفسية قاتلة لمعنوياته، ولو سمع هذا العدو هدير الشعب في مناداة الجيش -مع ثقتنا بحكمة النظام- فإنه عامل من عوامل ألفتّ في عضد العدو ، فهل يكره عاقل منا ذلك ؟!

يا قومنا إن ضمانة تماسكنا وثباتنا أمام عدونا هو حوارنا وتفاهمنا واستبعاد سياسة الغلّ والحقد في التعامل مع الغاضبين، فالحقد لا يبني الدول ولا يحميها من عدوها ، أفلا تبصرون ؟!

(البوصلة)

Related Posts