في كل مرة تنفذ فيها المقاومة الفلسطينية، ممثلة بحركة حماس، عمليات تبادل الأسرى، تبرز إلى السطح تساؤلات جوهرية حول قدرتها الإعلامية الفائقة على إدارة المشهد والتأثير في الرأي العام محليًا ودوليًا. كيف أمكن لمجموعة غير مرتبطة بمؤسسات إعلامية أن تطوّر خطابًا إعلاميًا بهذا المستوى من الاحتراف؟ وأين درس إعلاميو حماس ليتمكنوا من تحقيق هذا التأثير الذي أقر به حتى خصومهم؟
من منظور أكاديمي متخصص في الإعلام، لا يمكن فهم هذا الإبداع إلا من خلال تفكيك العناصر التي تحكم أداء حماس الإعلامي في مثل هذه اللحظات المصيرية. النظرية الإعلامية التقليدية تفترض أن المؤسسات الإعلامية تنجح في التأثير عبر أدوات ممنهجة وقواعد ثابتة تُدرس في الجامعات، لكن النموذج الذي تقدمه المقاومة الفلسطينية يكسر هذه القاعدة، إذ يعتمد على مزيج فريد من الفهم العميق للديناميات الإعلامية، التجربة الميدانية، والاستفادة من التكنولوجيا الحديثة لإدارة الاتصال الجماهيري.
ما يلفت الانتباه في الأداء الإعلامي لحماس خلال عمليات تبادل الأسرى ليس فقط قدرتها على تقديم مشاهد مدروسة بعناية، بل أيضًا قدرتها على تحديد الإطار العام للرواية الإعلامية وتوجيه النقاش حولها. فمن خلال استخدام إستراتيجيات مثل توقيت النشر بدقة متناهية، والمونتاج الذي يراعي الإيقاع النفسي للمشاهد، وإدخال الرموز البصرية ذات الدلالة العميقة، تمكنت المقاومة من تحويل هذه العمليات إلى لحظات إعلامية فارقة ذات صدى عالمي. لم يكن المشهد مجرد عملية نقل للأسرى، بل كان استعراضًا للقوة الإعلامية، حيث ظهر مقاتلو حماس بزي موحّد، يتحركون بانضباط عسكري يرسل رسالة ضمنية بأن المقاومة ليست مجرد مجموعة مسلحة، بل كيان منظم قادر على فرض شروطه، حتى في حرب الصورة والرواية.
لا يمكن فصل هذا الأداء عن الأسس النظرية التي يستند إليها. فوفقًا لنظرية الأجندة الإعلامية، استطاعت حماس أن تضع تبادل الأسرى في صلب الاهتمام العالمي، متجاوزة محاولات الإعلام الإسرائيلي فرض روايته الخاصة. كما استفادت من تقنيات التأطير الإعلامي، حيث ركّزت على إبراز الجانب الإنساني لأسرى الاحتلال، مقابل الإشارة الضمنية إلى الوحشية الإسرائيلية تجاه الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال. هذه الإستراتيجية مكّنتها من قلب المعادلة العاطفية لدى بعض الجماهير العالمية، وجعلتها تعيد النظر في التصورات النمطية حول الصراع.
إن التأثير الإعلامي الذي تحققه المقاومة في كل مرة لا ينبع فقط من مهارة تقنية في إنتاج المواد البصرية، بل من فهم عميق لطبيعة الجمهور وكيفية استثمار الإعلام البديل، وهو ما يجعلها تتجاوز الرقابة الغربية المفروضة على منصات الإعلام التقليدية. عبر وسائل التواصل الاجتماعي، تصل حماس إلى جمهورها مباشرة، دون الحاجة إلى المرور بفلترة الإعلام الغربي المنحاز لإسرائيل، مما يعزز من قدرتها على خلق رواية متماسكة تصل إلى ملايين المتابعين في جميع أنحاء العالم.
لعل المفارقة تكمن في أن هذا التفوق الإعلامي لم يتأتَّ عبر تعليم أكاديمي رسمي في كليات الإعلام المرموقة، بل عبر تراكم خبرات عملية في ظل ظروف استثنائية، حيث أصبحت التجربة الحية هي المعلم الأول. يبدو أن الإعلام المقاوم هنا قد تجاوز مفهوم التعليم التقليدي نحو نموذج أكثر ديناميكية، يعتمد على فهم السياق واستثمار الأدوات الإعلامية بأقصى إمكانياتها. إذا كان الإعلام في صورته الأكاديمية يدرَّس كمجموعة من القواعد والتقنيات، فإن ما تفعله حماس يعكس مدرسة إعلامية خاصة بها، قائمة على الممارسة والتكيف مع متغيرات العصر، ما يجعلها نموذجًا فريدًا في الاتصال السياسي والإعلام الحربي.
في نهاية المطاف، السؤال لم يعد: “أين درسوا الإعلام؟”، بل: “كيف استطاعوا إعادة تعريفه وفق شروطهم؟” في هذه الزاوية تحديدًا تكمن قوة النموذج الإعلامي للمقاومة الفلسطينية، حيث باتت قادرة ليس فقط على مواجهة خصومها عسكريًا، ولكن على الهيمنة على الخطاب الإعلامي وإعادة توجيه الرأي العام، حتى ضمن بيئة مشبعة بالدعاية المعادية.
د.هديل شقير


