بحسب الاستحقاق الدستوري حددت الهيئة المستقلة للانتخابات في الأردن يوم العاشر من أيلول القادم موعدا لإجراء الانتخابات النيابية، أما النشاط الحزبي لخوض هذه الانتخابات فقد بدأ مبكرا، وتحسب الأحزاب الحسبة بذكاء، فدعم الدولة المادي للأحزاب مرهون بحجم مشاركتها السياسية، وقد اجتهدت جهات ذات اهتمام في تشكيل أحزاب أرادوها كبيرة لتنافس على الصفوف الأولى في النشاط الحزبي والوجود السياسي على الأرض، بعد سنين من استئثار حزب جبهة العمل الإسلامي بالصدارة في الفعل السياسي والتجربة الحزبية التي تعود إلى أوائل التسعينيات من القرن الماضي، أما وجود “المشايخ” في العمل العام فيعود إلى ما قبل تأسيس المملكة عام ١٩٤٦م. وبغضّ النظر عن المقصود من تأسيس أحزاب بحضانة رسمية فإن بقاءها وصمود برامجها في الميدان مرهون بالمزاولة على الأرض، وذاكرة الأردنيين ما تزال تخزّن في أرشيفها قصة تَوحّد أكثر من حزب للحدّ من تمدد المشايخ وكسر احتكارهم للعمل الحزبي الجاد والمؤثر، لكن الميدان كشف “حميدان” وسرعان ما ذهب كل فريق من المتحالفين في طريقه بعيدا عن حسابات توحّدهم مماحكة بمن خافوا أن يحتكر المشهد فوجدوا أن هذه النية أودت بهم جميعا وأخرجتهم من ذلك المشهد.
الحياة السياسية في الأردن ليست مرهونة بمجلس نواب ولا بطريقة انتخابه، بل هي مرتبطة بحسابات مسبقة يختصرها أحد زملائي (المطلعين) وقد واجهته بحقيقة تكرار تزوير الانتخابات معاتبا على هذا النهج الذي كان سائدا، بل وكان معترفا به، فما كان منه إلا أن قال لي بكل صراحة : يا شيخ، الأردن لا يحتمل نتيجة اكتساح الإسلاميين للمجلس!!!
لقد وجد تغيير نهج قانون الانتخاب -على كل حال- صدى إيجابيا إلى حدّ ما باعتباره خطوة باتجاه الجدية في تأسيس صحيح للحياة الشورية، لكن من يضمن أن يُحترم إجماع المجالس النيابية القادمة على قضية من القضايا إذا كان توجه السياسات العريضة في البلد يخالف توجه المجلس فيها ؟ ألم يجمع مجلس النواب الحالي على إغلاق سفارة يهود ثم ضرب بإجماعهم عرض الحائط ؟! ومثل ذلك ما كان من إجماع المجلس على إلغاء معاهدة وادي عربة، ونبينا صلى الله عليه وسلم يقول : “لا تجتمع أمتي على ضلالة” و “ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن”، ومقتضى العقل أن رأي الجماعة يقدم على رأي الفرد، وأن “التصرف على الرعية منوط بالمصلحة”، وأن المصلحة أن يُقهَر العدو لا أن يُقهر الوطن والمواطن. وماذا يُبتغى من مجلس أمة أكثر من أن يقرب الأمة من الصواب ويبعدها عن الخطأ، وأن يحقق مصلحة الأمة في التوحد لكبت عدوها وإعلاء كلمتها؟!
إن العملية الشورية في الأردن هي أهم وأخطر منها في أي بلد آخر، فالأردن يقع على خط المواجهة اللصيقة مع المحتل الصهيوني، وإذا لم يأخذ المشرّع والمنفّذ بالحسبان هذه الحقيقة وأن مجلس الأمة يجب أن يكون رافعة الثبات في وجه تحدي السيادة المفروض علينا بحيث لا يجوز أن يتناغم فعلنا السياسي مع مصالح عدونا، وليفز من تفرزه الصناديق، مع أن مصلحتنا القومية والوطنية بعد مصلحتنا الوجودية هي في إفراز مجلس نيابي يقف شوكة في حلق سلوكيات الاحتلال الذي باستهدافه لفلسطين يستهدف الأردن بالضرورة ولا ريب.
إن مصلحة الأردن الاستراتيجية لا يحققها إلا ممارسة سياسية جادة لا تحسب حساب عدوّ ولا تضحي بمصلحة صديق، وإننا نكون في أعلى مراتب الوطنية والغيرة على وجودنا أمةً متماسكة في وجه الاستهداف الصهيوني يوم نُعدّ لهذه الانتخابات إعداد حالة الحرب لا حالة استرخاء المغلوب على أمره الذي يمشي مع الجدار لئلا تطاله سهام العم سام ومن يشد على يده.
أكبر خطأ يرتكب في السياق الانتخابي هو دخول هذه الانتخابات تحت تأثير الضغوط الخارجية التي تعمل بكل وضوح وصراحة على أن يكون تمثيل الإسلام السياسي، وتمثيل كل اتجاه يزعج الصهاينة في المجلس ضعيفا، كما تعمل هذه الضغوط على ألا يسبب العمل السياسي الحزبي الأردني صداعا للعدو الجار ولأوليائه في العالم ، وإننا جميعا نظاما وشعبا أمام اختبار خطير، فعدم وضع الجوّ الملتهب في المنطقة في حساباتنا هو دفن لرؤوسنا في الرمال، والحلّ ليس في الهروب إلى الأمام باختيار سبل السلامة في مواجهة عدونا، الحل الحقيقي في أن نترك لممثلي الأمة في مجلس النواب أن يقولوا كلمتهم بوضوح لتعمل السلطة التنفيذية على تطبيق هذه الكلمة عملا سياسيا يضايق العدو ويضغط عليه حين يعلم أن فلسطين ليست وحدها في الميدان وأن سقوط مشروعها التحرري هو سقوط لنا جميعا، فعملنا الشوري النضالي ضرورة لا مجرد خيار تكتيكي سياسي، وإبعادنا عنه بإجراءات انتخابية أو سواها هو التفاف على مصالح الأمة بغض النظر عما يطلبه عدونا منا من إجراءات إذا أطعناه في اتخاذها فلن تبقى موالاة ولا معارضة، وسنظل نخسر حضورنا الإقليمي والدولي الذي كان في يوم من الأيام مؤثّرا، ويأخذ غيرنا اليوم مكاننا،ونحن لسنا في صدارة صنع الحدث بما كسبت أيدينا السياسية.
الأيام القادمة ستثبت إن كنا نفهم معادلة الوجود والضياع أم يراد لنا ألا نفهمها، والله المستعان.
(البوصلة)



