ما إن أنهى أموس هوكشتاين المبعوث الأمريكي إلى لبنان، مهمته في العاصمة اللبنانية بيروت بعد ليلة من القصف الإسرائيلي العنيف، توجه وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن، الاثنين، إلى المنطقة العربية؛ حيث تسعى واشنطن إلى إطلاق مسار جديد للحرب، ومن بعدها في قطاع غزة، بعد استشهاد يحيى السنوار رئيس المكتب السياسي لحركة “حماس”.
فشل هوكشتاين في مهمته بفرض ما سمي القرار الاممي (1701+) والذي اشترط الاحتلال الإسرائيلي تعديله وتفريغه من مضمونه بإضافة بنود جديدة أبرزها السماح لإسرائيل بطلعات فوق لبنان، وتنفيذ جيش الاحتلال عمليات داخل الاراضي اللبنانية، إلى جانب قوات أممية يختارها الكيان الإسرائيلي للعمل ضمن قوات أممية فيما يشبه الاحتلال المقنع للجنوب اللبناني، إضافة إلى شروط أمريكية قدمها هوكشتاين يتم فيها تعيين قائد الجيش جوزيف عون رئيسا للجمهورية، وتعيين قائد جديد للجيش بالتوافق مع أمريكا في الآن ذاته.
مسار هوكشتاين المليء بالشروط والإضافات على القرار الاممي 1701 لا يتوقع أن يشق طريقه بسبب المعارضة المتوقعه لروسيا والصين في مجلس الامن، غير أن السبب الأهم الذي يعكس ذلك كله معنى ومغزى حقيقياً؛ يتمثل بالمقاومة التي أبداها حزب الله في ميدان المعركة البرية، وأدائه المتطور والمتصاعد في ضرب أهداف داخل فلسطين المحتلة، شملت مكان إقامة رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو، وقصفا كثيفا من لبنان في الساعات الاخيرة بلغ جنوب حيفا ويافا وتل أبيب بصواريخ وطائرات مسيرة، وهو أداء سار بالتوازي مع توافق رئيس الوزراء نجيب ميقاتي ورئيس البرلمان نبيه بري على التمسك بوقف إطلاق النار كشرط مسبق لتنفيذ قرار 1701 دون إضافة أي تعديلات، ودون ربط بين وقف إطلاق النار الدائم وبين اختيار رئيس للجمهورية وقائد جديد للجيش خلفا لجوزيف عون، الذي التقاه هوكشتاين ووعده بتقديم ما يقارب 350 مليون دولار دعما للجيش.
المسار اللبناني للحرب أمريكياً سار بالتوازي مع المسار الفلسطيني للحرب بإعلان انتوني بلينكن عن ضرورة إطلاق مسار جديد للمفاوضات وللحرب وما بعدها في قطاع غزة، في ضوء التطور الاخير المتمثل باستشهاد يحيى السنوار، وخطة الجنرالات التي قدمت لها إدارة بايدن غطاءً سياسياً ودبلوماسياً؛ بإعطاء مهلة 30 يوما تسمح فيها باستخدام سلاح التجويع والإبادة الفتاكة لسكان القطاع شمالا.
بلينكن يعول على نجاح العمليات العسكرية الإسرائيلية وإمكانية الاستثمار بسياسة التجويع والاستهداف الواسع للمدنيين شمال غزة؛ لفرض شروط أمريكا والاحتلال في القطاع قبيل الانتخابات الأمريكية، الأمر الذي قابله الفلسطينيون شمال القطاع بالصمود وتكثيف المقاومة هجماتها على قوات الاحتلال خلال الساعات القليلة الماضية، حيث كبدت الاحتلال خسائر كبيرة، وأعجزته عن الحركة في بعض المحاور.
لا يتوقع أن يتمكن بلينكن من تمرير مساره الجديد أسوة بهوكشتاين الذي فشل في مهمته وعاد إلى أمريكا على أمل أن يتمكن جيش الاحتلال خلال الاسابيع القليلة المقبلة من تحقيق نتائج عسكرية لا زال وزير الحرب غالانت ورئيس الاركان هاليفي ورئيس الوزراء نتنياهو عاجزين عن تحقيقها، سواء في شمال فلسطين (جنوب لبنان) أو في شمال قطاع غزة، الأمر الذي سيجعل من جولة بلينكن محاولة فاشلة أخرى، ومحاولة جديدة لكسب الوقت وتوفير الغطاء لنتنياهو وقادة الجيش للمضي قدماً في عمليات التجويع والترحيل للفلسطينيين من شمال قطاع غزة، والعمل في الآن ذاته على احتواء ردود الفعل العربية والعالمية تحت مسمى العمل على مسار سياسي جديد إلى حين انعقاد الانتخابات الأمريكية في نوفمبر/تشرين ثاني المقبل.
المسارت الأمريكية باتت واضحة، فهي تحاول كسب الوقت، وفي الآن ذاته التأسيس لفصل المسارات بين غزة وجنوب لبنان عبر الشروط المطروحه لوقف الحرب وإعادة هندسة المشهد اللبناني والفلسطيني على وقعها، فهذا ما يوحيه توزيع الادوار بين هوكشتاين ذي الأصول اليهودية والجنسية الإسرائيلية، وبلينكن ذي الأصول اليهودية والانحيازات الدينية والايديولوجية للكيان الإسرائيلي.. أدوار أفقدت الدبلوماسية الأمريكية مصداقيتها وقيمتها، والأهم تأثيرها، خصوصا إن نجحت المقاومة في تحقيق التوازن وإنهاك الآلة العسكرية الإسرائيلية، وافشالها خلال الأسابيع والأشهر المقبلة.
في خلاصة ذلك كله؛ يمكن القول: إن الحرب عادت إلى مربعها الأول، خلافا لما يدعيه بلينكن من خلق مسار جديد، فالمسارات معطلة وتواجه استعصاءً حقيقياً بسبب المقاومة والصمود الفلسطيني واللبناني، والعجز الإسرائيلي الذي لن يخفيه الغطاء السياسي والعسكري الأمريكي المغذي للتصعيد، وهو المسار الأمريكي الوحيد الذي لا زال يعمل حتى اللحظة في المنطقة، بما يحمله من تقويض للاستقرار الإقليمي، واستمرار للنزيف الأخلاقي لأمريكا وحلفائها.
(السبيل)



