تحيي مدينة كفر قاسم، يوم الخميس، الذكرى السبعين للمجزرة التي ارتكبتها قوات حرس الحدود الإسرائيلية في 29 أكتوبر/تشرين الأول 1956، وأسفرت عن استشهاد 49 من أبنائها، في وقت تتواصل فيه المجازر الإسرائيلية بقطاع غزة، بما يعيد إلى الواجهة قضية قتل المدنيين الفلسطينيين ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم.
وشارك الآلاف من أهالي كفر قاسم وفلسطينيي الداخل في المسيرة السنوية التي انطلقت من النصب التذكاري في المدينة باتجاه أضرحة الشهداء، بتنظيم من اللجنة الشعبية ولجنة أهالي الشهداء، إحياء لذكرى ضحايا المجزرة واستحضارا لما تعرضت له البلدة قبل سبعة عقود.
وتتزامن الذكرى مع استمرار الخروقات الإسرائيلية لاتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، حيث استشهد خمسة فلسطينيين وأصيب آخرون خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية، وفق تقارير محلية، في مشهد يسلط الضوء على استمرار الخسائر البشرية رغم الإعلان عن التهدئة.
وقائع المجزرة
ووقعت المجزرة في 29 أكتوبر/تشرين الأول 1956، بالتزامن مع بدء العدوان الثلاثي على مصر، وفي ظل الحكم العسكري الإسرائيلي المفروض على الفلسطينيين داخل أراضي عام 1948.
وفي ذلك اليوم، قررت سلطات الاحتلال الإسرائيلي فرض حظر تجول على عدد من القرى العربية، وجرى إبلاغ مختار كفر قاسم بالقرار قبل بدء سريانه بنحو نصف ساعة فقط، فيما كان عدد كبير من أبناء البلدة خارجها بسبب أعمالهم اليومية، ولم تتح لهم فرصة معرفة التعليمات الجديدة قبل عودتهم.
وعندما عاد العمال والمزارعون إلى منازلهم، أطلقت قوات حرس الحدود النار على عدد منهم عند مداخل البلدة، رغم أنهم لم يكونوا على علم بموعد حظر التجول. وخلال نحو ساعة، سقط عشرات الشهداء من الرجال والنساء والأطفال.
وبلغ عدد ضحايا المجزرة 49 شهيداً وفق الحصيلة المتداولة في كفر قاسم، فيما توثق مصادر تاريخية تفاصيل إضافية بشأن الضحايا الذين سقطوا في ظروف مرتبطة بالمجزرة.
ولم تقتصر آثار الجريمة على الضحايا وعائلاتهم، بل امتدت إلى الذاكرة الجماعية للفلسطينيين في الداخل، إذ تحولت كفر قاسم إلى رمز لمأساة المدنيين الفلسطينيين تحت الحكم العسكري، وللمطالبة بكشف الحقيقة وتحقيق العدالة.
وبعد تسرب أخبار المجزرة، واجهت سلطات الاحتلال ضغوطاً للكشف عن تفاصيلها، وأحيل عدد من أفراد حرس الحدود إلى المحاكمة.
غير أن الأحكام الصادرة بحق المدانين خُفّضت لاحقا، ولم يقضوا فترات طويلة في السجن، فيما بقيت المجزرة حاضرة في النقاشات بشأن المسؤولية والمحاسبة.
من كفر قاسم إلى غزة
وبعد سبعين عاما على مجزرة كفر قاسم، يستعيد الفلسطينيون ذكراها فيما يعيش سكان قطاع غزة تداعيات الهجمات الإسرائيلية المستمرة، من سقوط الشهداء والجرحى إلى النزوح والدمار وفقدان مقومات الحياة.
ومنذ بدء وقف إطلاق النار في أكتوبر/تشرين الأول 2025، لم تتوقف التقارير عن القصف وإطلاق النار والاستهدافات الإسرائيلية في مناطق مختلفة من القطاع، وفق ما أوردته تقارير ميدانية فلسطينية.
وفي أحدث التطورات، أفادت تقارير منشورة اليوم، باستشهاد خمسة فلسطينيين وإصابة آخرين خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية، جراء الخروقات الإسرائيلية.
ويتزامن ذكرى المجزرة مع استمرار مجازر الاحتلال، ومع وصول ضحايا الإبادة لما يزيد عن 74570 شهيدًا بغزة.
وتعيد هذه الوقائع طرح الأسئلة بشأن حماية المدنيين الفلسطينيين، ومدى فاعلية الاتفاقات المعلنة في وقف القتل، وآليات محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات.
وبالنسبة إلى الفلسطينيين في الداخل، فإن إحياء ذكرى كفر قاسم في ظل ما يجري في غزة يحمل بعداً إنسانياً ووطنياً، إذ يتجاوز استذكار الماضي إلى التعبير عن التضامن مع الضحايا الحاليين والمطالبة بوقف استهداف المدنيين.
فعاليات الذكرى
وانطلقت المسيرة السنوية في كفر قاسم، اليوم الخميس، بمشاركة الآلاف من أبناء المدينة ومواطنين من مختلف أنحاء المجتمع العربي، من النصب التذكاري باتجاه أضرحة الشهداء.
وتنظم المسيرة اللجنة الشعبية في كفر قاسم ولجنة أهالي الشهداء، ضمن برنامج لإحياء الذكرى السبعين للمجزرة، التي تعد من أبرز المحطات في التاريخ الفلسطيني داخل أراضي عام 1948.
ومن المقرر أن يقام المهرجان القطري المركزي لإحياء الذكرى، مساء اليوم عند الساعة السابعة، على أرض الملعب الشرفي في المدينة، وفق البرنامج الذي أعلنته اللجنة العليا لإحياء الذكرى.
وكان المجلس البلدي قد أقر سلسلة فعاليات لإحياء المناسبة، تشمل المسيرة التقليدية، وطباعة وتوزيع كتاب توثيقي بعنوان “شموخ رغم الجروح”، وترميم بانوراما الشهداء في المركز الجماهيري.
وتسعى هذه الفعاليات إلى إبقاء أسماء الضحايا وشهادات الناجين حاضرة في الوعي الفلسطيني، ونقل تفاصيل المجزرة إلى الأجيال الجديدة، في ظل استمرار الجدل بشأن مسؤولية الاحتلال عن الجريمة وتداعياتها التاريخية.
كما تمثل المشاركة الشعبية الواسعة في المسيرة تعبيراً عن تمسك أهالي كفر قاسم بذاكرتهم الجماعية، ورفضهم اختزال المجزرة في مناسبة سنوية منفصلة عن حاضر الفلسطينيين وقضاياهم.
لا تنفصل عن الحاضر
لم تكن مجزرة كفر قاسم مجرد حادثة عابرة في تاريخ البلدة، بل تركت أثرا عميقا في حياة عائلات الشهداء وفي الوعي الفلسطيني داخل أراضي عام 1948.
وعلى مدى سبعة عقود، واظب الأهالي على إحياء ذكراها، وتوثيق تفاصيلها، واستعادة أسماء من فقدوا حياتهم في ذلك المساء.
واليوم، بينما تتجه المسيرة نحو أضرحة الشهداء، تتواصل في غزة عمليات البحث عن المفقودين، وتشييع الضحايا، ومحاولات العائلات التمسك بما تبقى من منازلها وحياتها بعد شهور طويلة من الحرب والدمار.
وبين كفر قاسم وغزة، تتجدد المطالبة بتوثيق الجرائم، وضمان حماية المدنيين، ومحاسبة المسؤولين عن قتلهم، وعدم ترك الضحايا وعائلاتهم وحدهم في مواجهة آثار المأساة.
وبعد سبعين عاما على مجزرة كفر قاسم، تبقى أسماء الشهداء جزءا من ذاكرة الفلسطينيين، فيما تضيف غزة أسماء جديدة إلى قوائم ضحايا المجازر الإسرائيلية.
صفا



