تكلّست مشاعر جيل كامل في قرننا الأخير حتى لقد أصبح توقّع زوال الهمّ وهما، وإن وقع نصر فما هو في حسابنا إلا مؤامرة أو تدبير عدوّ في خفاء، ذلك لأن هذه الأمة العربية الإسلامية عاشت عقودا كان اليأس من الفرَج سيد الموقف فيها، حتى إذا تحرك عدد من الشعوب العربية منذ مطلع عام ٢٠١١ نُسب تحركهم إلى تدبير الأعداء واستُدِلّ على هذا الاستنتاج من مآل تلك الثورات التي انتهى مفجّروها إما إلى القبر أو إلى السجن، ولكن ثورة السوريين أفادت مما طويت صفحته من الثورات ولو إلى أجل، أرأيت إلى ثورة مصر التي خلعت مبارك وأجلست مكانه الرئيس الشهيد مرسي، الذي حكم بالبرَكة، رحمات الله عليه، حكم ولم يحكم، فما كان في صفّه جيش ولا أمن ولا قضاء ولا إعلام، وكان يحيط به شياطين زرعوا في روع الناس أنه أخوَن الدولة، وكأن الأصل حين يفوز رئيس أمريكي جمهوري أن يجعل المسؤولين مِن حوله ديمقراطيين ومستقلين، حتى لا يُدّعى عليه أنه “جمهر” الدولة !!
وليست كذلك ثورة السوريين، فإنها لم تترك دولة عميقة ولا ضحلة، ولم تمكّن من رقبتها جيشا ولا مخابرات استهدفَتْها بثورتها اجتثاثا لظلمها وإنهاء لعهد استعبادها لكل ما حولها ومن حولها، لقد كانت ثورة السوريين بنتائجها سائرة على خُطا من حرروا الشام بممالكها في حلب وحماة وحمص فلم يبقوا لهم أثرا، وانتزعوا سلطانهم من جذوره، وهي فعلة صلاح الدين الأيوبي الذي علم أن الجوّ لن يصفو للتحرير الحقيقي حتى يُجتَثّ الشر وأهله، فبعيدٌ تحرير الأقصى ما دامت أجواء ما حوله ملبدة بالخيانة أو الفساد.
سيكون فتح سورية مقدمة لتحرير بيت المقدس الذي لن يتمّ حتى تتحرر فلسطين أوّلاً من جوقة المرتزقة الذين يعملون عند عدوّهم خدما مقابل لقمة خبزهم، أو قل : مقابل السماح لهم بالبقاء على “حياة”.
فتح سورية مقدمة لفتح القدس لأن المعوّقين طريق تحرير القدس هم المستفيدون من بقائها أسيرة في يد عدوّها، وما لم تُقطع شأفتهم ويتيقنوا أن بقاءهم في صفّ عدوّ الأمة مجلبة لرقابهم إلى مقصلة عدالة القضية فلن تُفتَح طريق التحرير.
فتح بيت المقدس يمرّ عبر اقتناع الأنظمة والشعوب على حدّ سواء أن لا مستحيل أماء قضاء الله العادل، وأن مصير الجبارين بسلاحهم هو أن يهربوا ويتركوه كما هرب بشار الخنزير وترك كل متاعه حتى صُوَرِه المخزية التي أظهرت شخصيته على حقيقتها عاريا من كل قيمة بشرية سويّة.
فتح بيت المقدس سيتم بعد فتح سورية لأن فتح سورية لقّن الطغاة جميعا درسا مفاده أن هذا هو مصير الفراعنة عبر التاريخ، فإذا حلق جارك ذقنه فبُلّ ذقنك ما دمت تاركا للفرائض والسنن، وإلا فلتتمتع بلحية غانمة يزينها العدل وتجمّلها التقوى ويطيل بقاءها السير في الرعية على صراط مستقيم.
لا فرق عندنا بين أن يزول المرتزقة فيضعف بزوالهم مشغّلهم، أو يزول الطغاة فتسقط من خلفهم مرتزقتهم حين لا يبقى لهم سيّد عبد يعملون عنده.
سنّة التاريخ تأخذ طريقها إلى مسرح الأحداث، فلن تكون القدس حرة حتى تكون الشام حرة، ولن تتحرر القدس ما دام يتحكّم حولها العبيد بالمشهد الرمادي الذي ما زالت أرضنا المقدسة تعيش تحت ظله، لكن بوادر تحررها واضحة، ولا ينفعنا سوى العمل صابرين أو الصبر عاملين على أن نبلغ يوما يبيد فيه العبيد أو يبيعون أنفسهم ليشتروا حريتهم بالدم القاني ودمع التوبة الهتون، ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله، والله حسبنا ونعم الوكيل.
(البوصلة)



