د. أحمد داود شحروري
Facebook
X
WhatsApp
Email
Telegram

صراع الحق مع الباطل قديم.. (وداعا أبا عبيدة)

د. أحمد داود شحروري

الخصام الدموي بين الحق والباطل بدأ بقتل أحد ابني آدم لأخيه حسدا وظلما ، وهذا شأن الباطل : ضعف بنيوي ينفجر دما مهراقا للخروج من عباءة العجز إلى فجور الانتقام ، ألم يكن هذا منطق حافري الأخدود الذين أحرقوا أصحاب فكر منير بإشعال نار حسبوا أن وهجها سيطفئ نورا عجزوا عن إيقاف مدّه فكانت نارهم بإرادة الله موقدا فعالا أمدّ النور بطاقة إضافية أطفأت نار الحقد وحكمت لصالح المحترقين حتى خلدت ذكرهم في كتاب مبين.

وبالأمس القريب كنا نستذكر ملحمة أخرى متصلة بسائر الملاحم بين الحق والباطل ، ملحمة لم يلتفت إليها الناس فمرت دون تأمل أمة خطفتها لفائف المصائب حتى صعب عليها أن تتابع حصرها وإن كانت قد تركت نُدَبا في جسدها المتعب إلى حين ، لقد مرّ الرابع من كانون الأول دون أن يحظى بوقفة ، وهو تاريخ صدور حكم بالإعدام على سبعة من رجال مصر الأحرار عام أربعة وخمسين وتسعمئة وألف وعلى رأسهم الرجل القانوني العلَم الذي ما زال كتابه “التشريع الجنائي في الإسلام” يدرّس إلى اليوم في جامعات الدنيا شاهدا على رجل عملاق ضاقت ثورة عبد الناصر عن استيعاب نضجه فحقدت عليه وقتلته ظلما باعتراف حسين الشافعي في برنامج شاهد على العصر مع أحمد منصور ، فقد حُكِم على عبد القادر عودة بالإعدام في محكمة ثورية ، وقد بين حسين الشافعي في مقابلته أن المحاكم الثورية يمكن أن تصدر أحكاما ظالمة ، وأن الشهيد عودة شكّل تهديدا لزعماء الثورة يوم أثّر في المتظاهرين فصرفهم عن مُظاهرتهم وهو واقف في الشرفة بجانب محمد نجيب بمجرد التلويح براية مليئة بالدماء!! 

إنها قصة أصحاب الأخدود ذاتها : الخوف من التأثير في الجمهور ، والحقد على أهل هذا التأثير ، وهنا نصل إلى حكاية الملثم أبي عبيدة تقبله الله في الشهداء ، فأبو عبيدة ليس مجرد شخص ولا مجرد قائد ، أبو عبيدة كان يشكّل بذاته وشخصه مؤسسة إعلامية خارقة التأثير ، كان إذا قال تمّ ما قال وإذا وعد جاء مصداق وعده كفلق الصبح ، حتى باتت النخب الصهيونية وعموم جمهورها تنتظر خطبه وبياناته بثقتها به وفقْدها الثقة بالكذاب النتن.

أبو عبيدة الذي ترجم الصهاينة حقدهم بقتله وقتل عائلته الصغيرة هو واحد من قادة المقاومة المؤثرين كلٍّ في حقله واختصاصه ، ظن هذا الباطل المدجج أنه بقتلهم يقتل العمل المقاوم ، ولم يخضع لمدرسة التاريخ التي علّمت العقلاء أن الأفكار تتجذر في الأرض حين تسقيها دماء حامليها ، وأن الذي يغرق وينقضي أمره هو فرعون الشخص وفرعون الفعل وفرعون المشروع المأزوم، وها هو اليوم من جديد يترشح فرعون للغرق لأنه لن يكون له مكان “تحت الشمس” ما دام خلف أبي عبيدة الشهيد  أبوعبيدة الجديد ، بقوة منطقه وعزة وقفته وسداد فكرته ، فكما ورث ابنَ الجراح رضي الله عنه رجالٌ لُقبوا بلقبه ، وكما حمل الثوار من بعد القسام شهرته ، وكما ترسمت أمة من الناس وصف الأخوّة من بعد فعل “المؤاخاة” ،  وكما ورث الفرعونيّةَ أبو جهل وورث الخيانةَ أحفادُ أبي رغال سيبقى الصراع بين الحق والباطل دائرا إلى أن يحسمه استعلان الحق ووأد الباطل الدجال عند “باب لُد” ، وإن غدا لناظره قريب ، “وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون”، “والله من ورائهم محيط”.

رحم الله شهداءنا وألحقَنا بهم غير مبدلين ولا مغيّرين.

(البوصلة)

Related Posts