تواصل الدعوات لمقاطعة طعام العزاء تخفيفًا على أهل الميت

تواصل الدعوات لمقاطعة طعام العزاء تخفيفًا على أهل الميت

عمّان – رائد صبيح

تتواصل الدعوات عبر مواقع التواصل الاجتماعي والمبادرات الداعية إلى مقاطعة طعام العزاء، بهدف التخفيف من الأعباء التي أصبحت تلقى على عاتق أهل الميت والكلف الباهظة ويتكبدونها في الوقت الذي ينبغي أن يتم التخفيف عنهم ومواساتهم لا زيادة الهمّ والمسؤوليات عليهم في تلك اللحظة الحزينة في حياتهم بسبب فقد الأحبّة.

وترى دائرة الإفتاء في الأردن في فتوى سابقة لها رصدتها “البوصلة” أنّ “الأصل أن لا يقوم أهل الميت بصنع الطعام لأحد، لكن إن لم يصنع لهم أحدٌ طعامًا واتفق وجود أقارب لهم من أماكن بعيدة، فلا مانع عندئذٍ من صنع الطعام لهم، لكن ينبغي عدم المباهاة والمغالاة في ذلك”.

ودعا رواد مواقع التواصل الاجتماعي في مبادراتهم منذ بداية الشهر الحالي، داخل الأردن وخارجه، إلى تقديم التعزية والمغادرة وعدم الانتظار لتناول طعام العزاء عبر هاشتاغ “عزي وانصرف”، وذلك في سبيل التخفيف على أهل الميت ووقف هذه العادات التي أصبحت تأثيراتها السلبية كبيرة جدًا.

انعكاسات سلبية

بدوره يرى الخبير الأسري والاجتماعي مفيد سرحان أنّ في – تصريحاته لـ “البوصلة – أنّ المناسبات الاجتماعية بكافة أشكالها تشكل عبئا كبيرا على الأشخاص والاسر والمجتمع ولها انعكاسات سلبية على العلاقات الاجتماعية، وموازنة الأسرة من حيث تكاليفها المرتفعة وتأثيرها على وقت الأفراد واعمالهم، مما يستوجب العمل على تغيير هذه العادات بما ينسجم مع الامكانيات المادية المتاحة والقيام بالواجبات الشرعية والمحافظة على العلاقات الاجتماعية.

ويستدرك سرحان بالقول، ولكن بما يحافظ على التواصل الاجتماعي ويساهم في الحد من التكاليف المبالغ فيها والتي تتعارض في كثير منها مع مبادئ الدين الحنيف والقيم الأصيلة.

وينوه الخبير الاجتماعي إلى أنّ التوجه لتغيير العادات، لا يعني عدم الوفاء أو احترام صاحب المناسبة بل هو امتثال للشرع والعقل والمنطق وعدم إرهاق ابناء المتوفي وأسرته واقابه، فقيمة الإنسان المتوفى بما قدم من عمل صالح وصدقة جارية او علم ينتفع به او ابناء صالحين يدعون له. وبدعاء الآخرين له بعد وفاته وبر أبنائه به ، وليس بما ينفق في بيوت العزاء بمبالغ كبيرة أو بإقامة موائد الطعام والتمور وحجز القاعات الفخمة أو بناء الخيم مرتفعة التكاليف.

ويلفت إلى أنّ من العادات الخاطئة أن يقوم أهل الميت بعمل وليمة كبيرة بعد دفن الميت يدعى لها اعداد كبيرة من الناس، في حين أن الأصل أن يقوم آخرين بعمل طعام لأهل الميت لأنهم مشغولون بميتهم.

ويضيف سرحان: للاسف فإن ذلك يترتب عليه أعباء مالية كبيرة قد تفوق إمكانيات أهالي الميت مما يدفعهم للاستدانه.

ويلفت إلى أنّ كثيرًا من الأسر والعائلات والعشائر أصبحت تتنافس في تقديم كمية أكبر من الطعام بدرجة مبالغ فيها.

تغيير اجتماعي نحو الأفضل

كما ينوه بالقول: نحن بحاجة إلى القدوة الحسنة لاحداث التغيير الاجتماعي نحو الافضل. وأن تلتزم العائلات بالابتعاد عن العادات الخاطئة وتشجيع المبادرات الايجابية والالتزام بها.

ويؤكد أنّ التعاون في مقاطعة العادات السلبية حتى ولائم الطعام التي يقيمها أهل الميت.

وينوه سرحان في نهاية حديثه إلى ضرورة أن يقتصر حضور هذه الولائم على أهل الميت فقط وأن تمون ليوم واحد.

لا إسراف ولا مبالغة

وفي فتواها قالت دائرة الإفتاء الأردنية إنّ الشارع حث على إظهار المواساة والتعاضد بين المسلمين في مصيبة الموت؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (مَا مِنْ مُؤْمِنٍ يُعَزِّي أَخَاهُ بِمُصِيبَةٍ، إِلا كَسَاهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ مِنْ حُلَلِ الْكَرَامَةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) رواه ابن ماجه، وقد نصّ الفقهاء أنّ التعزية ثلاثة أيام، قال شيخ الإسلام زكريا الأنصاري رحمه الله: “ولا تعزية بعد ثلاث من الأيام تقريباً، أي تكره بعدها، إذ الغرض منها تسكين قلب المصاب، والغالب سكونه فيها، فلا يُجدَّد حزنه، وقد جعلها النبيّ صلى الله عليه وسلم نهاية الحزن بقوله: (لا يحلّ لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاثة أيام، إلا على زوج أربعة أشهر وعشراً) رواه البخاري” [أسنى المطالب 1/ 334].

وقالت الدائرة إن من السنة أن يصنع الناس طعاماً لأهل الميت؛ تخفيفاً لمصابهم ومعاونة لهم على انشغالهم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اصْنَعُوا لآلِ جَعْفَرٍ طَعَامًا، فَإِنَّهُ قَدْ أَتَاهُمْ أَمْرٌ شَغَلَهُمْ) رواه أبو داود والترمذي، وقال: هذا حديث حسن، والمراد بأهل الميت أهل بيته، وجاء في [شرح المقدمة الحضرمية ص476] من كتب الشافعية: “يسنّ لنحو جيران أهل الميت وإن لم يكونوا جيرانه، أو كانوا ببلد غير بلده، ولأقاربه الأباعد، تهيئة طعام يشبعهم يوماً وليلة، وأن يلحّ عليهم في الأكل”.

وتستدرك بالقول: أما إن لم يعدّ أحد الطعام لأهل الميت؛ فلا حرج عندئذٍ أن يعدوه لأنفسهم، ولمن ينزل بضيافتهم من أقاربهم، من غير إسراف في ذلك أو مبالغة أو مباهاة من خلال دعوة الناس إلى الطعام وإقامة الولائم الكبيرة لذلك.

وتشير إلى أنه مما ينبغي التنبّه له أنّ التكاليف التي تنفق في إقامة بيوت العزاء على الطعام وغيره من الضيافات إن كانت من تركة الميت فلا تجوز إلا بإذن صريح من الورثة، وأما إنْ كان بين الورثة قاصرٌ فلا يجوز الأخذ من نصيبه من التركة لا بإذنٍ ولا بغيره، ونذكّر أن الواجب في تركة الميت تجهيزه وقضاء ديونه ووصاياه، وخاصة ديون الله تعالى من حج واجب في ذمة الميت أو زكاة أو نذور، جاء في [مغني المحتاج 4/ 7]: “يبدأ من تركة الميت بمؤنة تجهيزه، ثم تقضى ديونه ثم وصاياه، من ثلث الباقي”.

ومن الجدير ذكره أنّ أبواب تقديم النفع للميت كثيرة متنوعة، ومن جملتها الدعاء له من قلب خالص، أو قراءة القرآن، وغيرها من الأعمال الصالحة التي يُهدى ثوابها للميت، قال الخطيب الشربيني رحمه الله: “قال ابن الصلاح: وينبغي أن يقول: اللهم أوصل ثواب ما قرأنا لفلان، فيجعله دعاء، ولا يختلف في ذلك القريب والبعيد، وينبغي الجزم بنفع هذا؛ لأنه إذا نفع الدعاء وجاز بما ليس للداعي، فلأن يجوز بما له أولى، وهذا لا يختص بالقراءة، بل يجري في سائر الأعمال” [مغني المحتاج 4/ 111].

ونوهت الإفتاء إلى أنّ أفضل ما يقدم عن الميت الحجّ والعمرة عنه إن لم يحجّ عن نفسه، وتكاليف الحجّ تخرج من التركة إنْ وجب عليه الحجّ ولم يؤدّه؛ لأنه دين في ذمته؛ لما روى ابنُ عباس رضي الله عنهما قال: كَانَ الفَضْلُ رَدِيفَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَجَاءَتِ امْرَأَةٌ مِنْ خَشْعَمَ، فَجَعَلَ الفَضْلُ يَنْظُرُ إِلَيْهَا وَتَنْظُرُ إِلَيْهِ، وَجَعَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَصْرِفُ وَجْهَ الفَضْلِ إِلَى الشِّقِّ الآخَرِ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ فَرِيضَةَ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ فِي الحَجِّ أَدْرَكَتْ أَبِي شَيْخًا كَبِيرًا، لاَ يَثْبُتُ عَلَى الرَّاحِلَةِ، أَفَأَحُجُّ عَنْهُ؟ قَالَ: (نَعَمْ)، وَذَلِكَ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ. رواه البخاري.

وتختم الإفتاء بالقول: إنّ من أبواب النفع للميت الصدقةُ عنه، فقد روت أم المؤمنين السيدة عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ أُمِّي افْتُلِتَتْ نَفْسُهَا، وَأَظُنُّهَا لَوْ تَكَلَّمَتْ تَصَدَّقَتْ، فَهَلْ لَهَا أَجْرٌ إِنْ تَصَدَّقْتُ عَنْهَا؟ قَالَ: (نَعَمْ). رواه البخاري. والله تعالى أعلم.

يذكر أنه ومنذ سنوات، تطلق العشائر الأردنية نداءات وتطالب بوضع وثائق مجتمعية  تتجاوز العادات والتقاليد في مناسبات العزاء ليلتزم بها الجميع لتكون بيوت العزاء مكانا يتصل بعبرة الموت والحياة لا أماكن يسيطر عليها التعب والإرهاق البادي على أهل المتوفى.

وسادت في حينها دعواتٌ للاكتفاء بتقديم المياه والقهوة واعتبار يوم الدفن من ضمن ايام العزاء، بهدف اراحة اهل المتوفي من الكلف المادية الباهظة.

(البوصلة)

اقرأ أيضاً

Facebook
X
WhatsApp
Telegram
Email