Facebook
X
WhatsApp
Email
Telegram

حين انتصر الأردن على الفتنة

غالبا ما أدخل الكرك وأنا سعيدة. لي فيها حصة من المحبة، ولعائلتي فيها جذور تمتد بعيدا في التاريخ، وفوق التاريخ والجغرافيا كلها، للكرك مكان في القلب لا يحتاج إلى تفسير. وكنت كلما سلكت الطريق إليها أستعيد أبيات إبراهيم نصر الله في الشهيد أحمد المجالي:

“هذا الوطن للناس وإحنا عزوته

ما يرفع الراس إلا مجده وعزته”.

لكنني هذه المرة دخلت الكرك بقلب مختلف.

قادتنا الخطى إلى حمود مثقلة بالحزن، ولكنها كانت خطى واجبة لسند القلب والكتف والموقف. كنت أفكر طوال الطريق: ماذا يمكن أن تقول لأم فقدت وحيدها؟ وأنا أم لابنة وحيدة، أعرف ماذا تعني كلمة “وحيد” في قلب أم. وحين وصلت، لم أجد أمام والد الشهيد فادي، وقد احمرت عيناه من البكاء، كلاما يليق بالفقد فبكيت معه، فهناك أوقات تعجز فيها السياسة عن الكلام، ويصبح الدمع أكثر صدقا من الخطب.

أهل حمود والسماكية وأدر والربة، ومسيحيو ومسلمو الكرك والأردن جميعا لا يحتاجون إلى محاضرة في معنى التعايش. لقد عاشوه قبل أن يتحول “التعايش” إلى مصطلح في المؤتمرات الدولية والتداول الإعلامي

حمود والأردن لم يكونا في يوم قصة مسلمين ومسيحيين

ما حدث في الكنيسة كان جريمة ضد الأردن كله. الإرهاب حاول أن يصنع شرخا بين أردني وأردني، وأن يحول الكنيسة من بيت عبادة إلى عنوان انقسام، لكنه اصطدم بحقيقة أقدم وأصلب: أن المسيحي في الكرك والأردن ليس ضيفا على المسلم، فكلاهما صاحب البيت.

ولهذا ربما نخطئ حين نستدعي في مواجهة الجريمة خطابا تقليديا يشرح للمسيحيين سماحة الإسلام، وكأننا نعرفهم لأول مرة بجيرانهم الذين عاشوا معهم قرونا، أو بتاريخ هم أنفسهم من صانعيه.

أهل حمود والسماكية وأدر والربة، ومسيحيو ومسلمو الكرك والأردن جميعا لا يحتاجون إلى محاضرة في معنى التعايش. لقد عاشوه قبل أن يتحول “التعايش” إلى مصطلح في المؤتمرات الدولية والتداول الإعلامي.

في الكرك لم تتجاور المئذنة والكنيسة في الصورة فقط، بل تداخلت العائلات في الحياة، والمدارس، والعمل، والجيش، والسياسة، والأحزاب، والأفراح والأتراح، وفي الذاكرة الوطنية وفي أحمال الفرح وجهازه وأثقال الترح وحزنه.

المسيحي الأردني ليس آخَرَ نتسامح معه، هذه العبارة بذاتها إشكالية، هو مواطن وشريك في الأرض والدولة والتاريخ والمصير، مع احترام كل طرف لخصوصية دين الآخر وتعاليمه والتآخي في السماحة والرحمة وبناء الوطن.

البارحة دموع واليوم سؤال عن العمل

إن استهداف كنيسة أردنية بهذه الصورة حدث استثنائي وخطير، خصوصا أن الأردن اجتاز سنوات صعود التنظيمات المتطرفة في الجوار، وواجه عمليات إرهابية من دون أن يتحول المسيحي الأردني إلى هدف على أساس هويته الدينية بهذه الصورة.

فمن أين تسللت الفكرة التي تجعل أردنيا يرى في مواطن أردني آخر أو أي إنسان هدفا مشروعا للتصفية لأنه يختلف معه في دين أو غيره من مواطن الاختلاف الإنساني الطبيعي؟ وما الذي حدث لتتغير الحالة الفطرية والطبيعية التي بني عليها المجتمع الأردني حتى قبل عهد دولة القانون والمؤسسات؟

إن لما حصل سياقا يستحق الانتباه دون أن نزعم وجود علاقة سببية مباشرة، ولكنه يلقي إضاءات مهمة لفهم ما حصل ومعالجته بطريقة حكيمة ومستدامة.

فمسألة الوجود المسيحي في المشرق عادت بقوة خلال العام الحالي إلى النقاش السياسي والإعلامي الغربي، وخصوصا الأمريكي، بالتوازي مع الجدل حول أوضاع المسيحيين الفلسطينيين في القدس والضفة الغربية وغزة.

وفي فبراير/شباط الماضي، زار الإعلامي الأمريكي تاكر كارلسون منطقة المغطس في الأردن، وأجرى مقابلات تناولت أوضاع المسيحيين في الأرض المقدسة. وكان من أبرزها شهادة رجل الأعمال الأردني المسيحي سعد المعشر عن تجربة المسيحيين الأردنيين وعن كونهم جزءا أصيلا من المجتمع والثقافة العربية والإسلامية المحيطة بهم.

لم تكن تلك الحلقة مادة سياحية عن الأردن، بل دخلت في قلب نقاش أمريكي واسع حول إسرائيل والمسيحيين في المشرق، قبل أن يتطور السجال إلى مواجهة إعلامية بين كارلسون والسفير الأمريكي لدى إسرائيل مايك هاكابي.

وهذا النقاش كان عميقا حول سردية سياسية ودينية في الغرب بشأن مفهوم “التراث اليهودي المسيحي” وحول إسرائيل وموقعها في المخيال الديني والسياسي لدى قطاعات واسعة من المسيحيين الأمريكيين.

واللافت أن الأردن وجد نفسه يقدم، من خلال واقعه لا دعايته، نموذجا مختلفا.

وقبل أسابيع فقط، قال الملك عبدالله الثاني أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة بوضوح إن محاولة تصوير الصراع في فلسطين باعتباره حربا بين الأديان، الإسلام في جانب واليهودية والمسيحية في الجانب الآخر هي تصوير زائف، مؤكدا أن القضية تتعلق بحقوق الفلسطينيين، مسلمين ومسيحيين، وأن الأردن سيواصل حماية الوجود والتراث المسيحي في أرضه التاريخية، إلى جانب حماية المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس.

من هنا تصبح جريمة حمود أكثر من حادث أمني داخلي؛ لأنها أصابت واحدا من أكثر عناصر الصورة الأردنية قيمة: نموذج المواطنة والعيش في قلب المشرق.

إنها الفطرة الوطنية التي تجعلنا، عند الخطر، نعض على بلدنا وأهلنا بالنواجذ. لكن الوحدة لا تعني أن نطمئن ونعود إلى بيوتنا. أخطر ما يمكن أن نفعله بعد حمود أن نحتفل بوحدتنا ثم نعتبر الملف منتهيا بعد القبض على الجناة

في مجلس العزاء كانت الإجابة

لكنني وجدت الإجابة الأردنية في مكان آخر، لم أجدها في مؤتمر سياسي ولا في بيان رسمي، بل في مجلس عزاء النساء في حمود.

هناك خرجت حرقة القلب كما هي. فضفضت الأخت للأخت، وظهر الغضب والألم والاستياء، وحمّلتنا الأمهات والنساء، نحن النواب، الأمانة الأثقل: نريد العدالة. وكانت هذه الكلمة مهمة.

فالناس في المصائب الكبرى لا يحتاجون فقط إلى خطابات عن الوحدة الوطنية، وإنما يحتاجون إلى دولة عادلة وقانون نافذ وحقيقة كاملة.

كنت أتعزى دائما بالأثر القائل: “إن الله عند المنكسرة قلوبهم”. وفي حمود رأيت قلوبا منكسرة، لكنني رأيت معها ظهورا لم تنكسر.

وسط الحزن كانت الرسالة ثابتة ثبات جبال الكرك: الأردن أولا، الأردنيون أولا. وحدة كلمتنا أولا. كلنا أصحاب عزاء، وكلنا أهل دم، وكلنا ضد الإرهاب، وكلنا عصيون على الفتنة.

وعندما تصدر هذه الكلمات من إنسان دفن عزيزا قبل ساعات، فإنها لا تكون شعارا للعلاقات العامة، بل إنها تكشف شيئا أعمق في الشخصية الأردنية.

إنها الفطرة الوطنية التي تجعلنا، عند الخطر، نعض على بلدنا وأهلنا بالنواجذ. لكن الوحدة لا تعني أن نطمئن ونعود إلى بيوتنا. أخطر ما يمكن أن نفعله بعد حمود أن نحتفل بوحدتنا ثم نعتبر الملف منتهيا بعد القبض على الجناة.

إن على الدولة والمجتمع أن يسألا: كيف نمنع الجريمة التالية؟

وهنا نحتاج إلى مراجعة وطنية جادة لخطاب الكراهية، والمحتوى الرقمي المتطرف، ومراجعة لإبعاد العلماء والدعاة والخطباء المعتدلين عن المنابر ومساحات التفاعل المجتمعي، ومراجعة تعديل الخطاب والمناهج بما لا يراعي الخصوصية والفرادة الثقافية الأردنية التي تعمق وشائج الأخوة والعيش المشترك في الوطن، وكذلك التزام الأردن الأبدي بقضية فلسطين، تلك القضية التي عمّد أبناء حمود تحديدا فداءهم لها بالدم.

ونحتاج إلى الانتقال إلى مفهوم المواطنة. فالتسامح جميل ونبيل ولكنه يفترض ضمنا أن هناك أكثرية تمنح أقلية مساحة للوجود، أيا كانت طبيعة هذه الأقلية أو الأغلبية، أما المواطنة فتقول إن الدولة ملك للجميع، والحقوق ليست منحة من أحد.

الناس في المصائب الكبرى لا يحتاجون فقط إلى خطابات عن الوحدة الوطنية، وإنما يحتاجون إلى دولة عادلة وقانون نافذ وحقيقة كاملة

العدالة هي الجبر

لقد نجحت الأجهزة الأمنية في الوصول إلى المشتبه بهم واعتقالهم، لكن النجاح الأمني ينبغي أن تكتمل حلقته بالنجاح القضائي والقانوني والاجتماعي.

فالعدالة هنا ليست انتقاما.

العدالة جبر: جبر لأم تنتظر أن تعرف لماذا خرج ابنها من بيته ولم يعد، وجبر لأب احمرت عيناه من البكاء، وجبر لقرية انتهكت حرمة عزائها وكنيستها. وجبر لوطن أراد المجرمون تمزيقه فأجابهم بوحدة دمه وأبنائه.

هذه أيام ثقال، يخففها الله بعينه على الأردن، أرض البركة بأهلها وكل من فيها. ويخففها أن تتحول حمود من جرح إلى درس وطني: ألا نسمح للإرهاب بأن يحدد لنا من نحن، وألا نترك للتطرف مهمة تعريف المسلم بالمسيحي أو المسيحي بالمسلم.

نحن نعرف بعضنا منذ زمن طويل. ربما أكثر مما يتخيل الذين يريدون تفريقنا.

ويبقى واجب الدولة أن تحقق العدالة، وواجب المجتمع أن يحرس وعيه، وواجبنا جميعا أن نحافظ على هذا الوطن مساحةَ مواطنةٍ وشراكة لا مجاملة، وحقوق لا منن.

فإذا كان الإرهاب قد اختار الكنيسة ليضرب الأردن، فإن الرد الأقوى ليس فقط أن نقف أمام الكنيسة لنقول: نحن معكم، بل أن نقف جميعا داخل كل ميادين الوطن ونقول: نحن معا.

وهذا فرق كبير.

الجزيرة

Related Posts

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *