بشرى سليمان عربيات
بشرى عربيات
Facebook
X
WhatsApp
Email
Telegram

المستشارة بشرى عربيات تكتب: ضعفُ مناعةٍ

بشرى سليمان عربيات
بشرى عربيات

   ربما يتبادرُ لكم ما علاقة التربية والتعليم بضعف المناعة، وما هي المناعة – أو المناعات – التي ضعفت؟ ولماذا كان العنوان لهذا المقال ” ضعفُ مناعة ” وليس ( ضعفُ المناعة )؟ سوف تجدون في ثنايا هذا المقال إجابات لهذه الأسئلة، لكن سبب اختيار العنوان دون وضع ” أل – التعريف ” مقصوداً بسبب ضعف كبير في المناعة في حقولٍ مختلفة!

   سوف أبدأ بضعف المناعة اللغوية لدى أبنائنا الطلبة، هذا الضعف صار ملحوظاً بدرجة مخيفة، حتى الأطفال يتحدثون مع أهاليهم باللغة الإنجليزية في كل مكان، هنا أريد توجيه سؤالاً واحداً فقط وهو، هل رأيتم أو سمعتم عن أي عائلة أجنبية في جميع الدول الغربية تقوم بتعليم أطفالها اللغة العربية بدلاً من لغتهم الأصلية؟؟ شخصياً لم أسمع بذلك أبداً! من هنا أرى أن ” خجل ” الكثير من أولياء الأمور في مجتمعاتنا العربية من لغتهم لم يسبق له مثيل، والسؤال الأهم لماذا؟ هل هذا يعتبر حضارة؟؟ بالتأكيد لا، لأنه لا خير في مجتمعٍ يخجل من لغته ودينه والأصول التي ينبغي أن يتربى عليها!

   لا يقف الأمر فقط عند أولياء الأمور، فقد رافق ذلك – للأسف الشديد – ضعفاً ملحوظاً في مناهج اللغة العربية لجميع المراحل – وتحديداً المرحلة الأساسية الدنيا – وهنا أذكر على سبيل المثال لا الحصر كتاب اللغة العربية للصف السادس الأساسي، وللأمانة لم أقرأ منه سوى بعض الصفحات في البداية – معظمها صور وفارغة المحتوى – لكن الصفحة الأولى فيها صورة مكتوب عندها آية من القرآن الكريم من سورة ” يوسف ” وهي ” لقد كان في قصصهم عبرةٌ لأولي الألباب”، أما الصفحة الثانية لا علاقة للطالب بها مكتوب فيها عن مهارة الإستماع والكتابة، وهكذا لتأتي صفحة فيها سؤال عن أصحاب الجنتين، والسؤال هو في أي سورة وردت قصة أصحاب الجنتين، والخيارات هي سورة النمل، سورة القلم —- وهنا أتساءل، هل يعرف الطلبة في هذه المرحلة هذه السُّور والآيات؟؟ بل هل يعرف جميع معلمي اللغة العربية أي معلومات عن سور القرآن الكريم؟؟ بالتأكيد لا!! فما هي الفكرة من وضع منهج اللغة العربية بهذا الشكل، وبعد كم صفحة توجد قصة عن ناقة النبي ” صالح ” عليه السلام، والتي فيها من المفردات التي ربما تكون صعبة على كثيرٍ من المعلمين والمعلمات، أريد أن أقول ملاحظة واحدة فقط وهي أن كثير من الطلبة في هذه المرحلة من العمر لا يعرفون سورة الفاتحة – للأسف الشديد طبعاً – فلماذا يتم طرح كل ذلك ؟؟

   نعلم جميعاً كم تراجعت مدارسنا الحكومية والخاصة في تدريس اللغة العربية، لتأتي المناهج لتكون مساهمة – عن قصد أو غير قصد – في هذا التراجع، إن ضعف المناعة اللغوية – وتحديداً اللغة العربية – سوف ينتج عنها ضعفاً في قراءة القرآن الكريم، كما سوف ينتج عنها ضعفاً في الهويَّة، ليصبح الطالب مثل الطائر الذي أراد تقليد الطاووس في طريقة المشي فلم ينجح، وعندما أراد العودة إلى طريقة مشيه، نسيها!!

   أيضاً هناك ضعف ملحوظ في المناعة السلوكية والأخلاقية، هذا الضعف صار يبدو واضحاً في شوارعنا، ومحلات التسوق، إذ أن عدم احترام القواعد المرورية ناتج عن ضعف في الذَوق والأخلاق لأنه كما يقال ( القيادة فنٌّ وذوقٌ وأخلاق ) ، فمن يتجاوز الإشارة الحمراء ومن يستخدم الهاتف الخلوي أثناء القيادة، ومن يدخل شارع باتجاه ممنوع المرور، وغيرهم ممن لا يمتلكون أدنى درجات الذَّوق والأخلاق، كذلك في الشوارع وعلى قارعة الطريق، أو يجلسن على كراسي الدوَّار في أوقاتٍ تحملُ أكثر من سؤال، أو في محلات التسوق ترى مجموعة من الفتيات اللاتي لا تحترم ديناً ولا قِيَماً يتحدثن بصوتٍ مرتفع ويتصرَّفن تصرفات يندى لها الجبين – وللأسف أن بعضاً منهن تلبس غطاءً للرأس لا يعتبر حجاباً بأي شكل ، تمشي دون حياء أو استحياء لابسةً بنطلونات مختلفة الوصف المخزي،  والبعض الآخر- عذراً للتعبير – لكن ما نراهُ فعلياً أشباه عاريات، حتى أنني كسيدة أخجل من النظر إلى هذه المشاهد !! أتحدث كأيِّ أمٍّ تخشى على أبنائها من هذه الفئة المستهترة بكل معاني الذّوق والأخلاق، لكن للأسف الشديد لو كانت هناك رعاية من البيت لما خرجت الفتيات بهذا الشكل، ذلك لأننا فقدنا – ومنذ سنوات – دور الأم والأب والمعلم المربي، فتاهت البوصلة، وإذا استمرَّ هذا الوضع فالقادم أسوأ!!

   خلاصة الأمر، هذا الوضع مكشوف لكل عين تملك القدرة على النظر، ولكن هذا الضعف في المناعة لا تنقذه عقاقير طبية، ولا مطاعيم، ذلك لأن هناك إصابات بليغة أصابت المجتمع، هذه الإصابات لا ينفعُ معها حجرٌ ولا لقاح، لكن المسؤولية تقع على عاتقنا جميعاً، فقد حان الوقت لنقولَ ( كفى )، نحن بحاجةٍ إلى نهضةٍ تعليميةٍ وفكرية ترقى بنا ونرقى بها، فهل من مستمع؟؟ نأملُ ذلك.

(البوصلة)

Related Posts