قراءة نقدية في “قانون عقوبة الإعدام للمخربين” واستهدافه للأسرى الفلسطينيين
د. محمد خليل الموسى
مقدمة
حين يتحول القانون من أداة للحماية إلى وسيلة للإعدام، نكون أمام لحظة تكشف فيها السلطة عن حقيقتها العارية. وبهذا، لا يمكن فهم التحولات التشريعية في سياقات النزاعات المسلحة والاحتلال على أساس أنها مجرد استجابة قانونية محايدة لضرورات أمنية، بل ينبغي تحليلها ضمن ما يمكن تسميته بـ”الهندسة القانونية”، أي إعادة تشكيل القواعد القانونية وتكييفها بما يخدم بنية القوة القائمة ويعيد إنتاجها. وفي هذا الإطار، لا يعود القانون مجرد أداة لتنظيم الواقع، ويغدو وسيلة لإعادة تعريفه، وتحديد من الأشخاص الواجب حمايتهم وأولئك الذين يستثنون من الحماية.
يمثل “قانون عقوبة الإعدام للمخربين”، بحسب تسميته الرسمية الإسرائيلية، والذي أقرّه الكنيست الإسرائيلي في 30 آذار/مارس 2026، نموذجًا واضحًا لهذه الهندسة القانونية. فهو لا يقتصرعلى توسيع نطاق تطبيق عقوبة الإعدام ليشمل ما يصنف بـ”الجرائم الأمنية”،ولكنه يستهدف كذلك إعادة صياغة العلاقة القانونية بين السلطة القائمة بالاحتلال والسكان الواقعين تحت سيطرتها. وفي هذا السياق، يثير هذا القانون أسئلة جوهرية تتصل بالتكييف القانوني للأفعال، وحدود سلطة دولة الاحتلال في المجال الجنائي، ومبدأ عدم التمييز، وضمانات المحاكمة العادلة، وموقع القانون ذاته داخل بنية تمييزية تعمل، في آنٍ واحد، على تنظيم العنف وشرعنته وإعادة إنتاجه.
نروم في هذا المقال تفكيك هذا القانون في ضوء سياقه، وتحليله كجزء من بنية قانونية أوسع، وصولًا إلى بيان كيف يمكن أن يتحول القانون من أداة للحماية إلى أداة للاضطهاد.
أولًا: بنية القانون والطابع التحويلي للوظيفة العقابية
يشكل اعتماد هذا القانون، المتعلق بتطبيق عقوبة الإعدام على فئة الجرائم الأمنية، نقطة تحول نوعية في البنية القانونية الحاكمة للسياق الذي جرى اعتماده ضمنه. ولا يمكن فهمه باعتباره مجرد تعديل في السياسة الجنائية، إذ ينطوي على إعادة صياغة عميقة لوظيفة القانون؛ بحيث يصبح أداة لإعادة تعريف الوظيفة القانونية وتوجيهها ضمن بنية سلطوية محددة، بدلا من كونه مجرد أداة لتنظيم اجتماعي محايد.
تتمثل الفكرة الأساسية التي يقوم عليها هذا القانون في إعادة إدخال عقوبة الإعدام وتوسيع نطاق تطبيقها ليشمل فئة من الجرائم التي تندرج ضمن توصيف عام وفضفاض هو “الجرائم الأمنية”. ولا يقوم هذا التوصيف على معايير موضوعية دقيقة تميز بين الفعل الجنائي التقليدي والفعل المرتبط بسياق نزاع مسلح، فقد حوله القانون إلى تكييف قانوني شامل يضم طيفا واسعا من الأفعال تحت مظلة واحدة، الأمر الذي يفضي إلى توسيع نطاق التجريم والعقاب إلى أقصى حد ممكن.
بالإضافة إلى ما سبق، ينيط القانون بالمحاكم العسكرية اختصاص النظر في هذه القضايا. وهو أمر غاية في الأهمية يتعين عدم إهماله. فالمحاكم العسكرية، بحكم طبيعتها وهيكليتها، تعمل ضمن منظومة تنفيذية – أمنية، ولا تتمتع بنفس درجة الاستقلال والحياد المفروض توافرها في الهيئات القضائية التي تنظر في القضايا التي تمس الحق في الحياة. ومع الإقرار لهذه المحاكم بإمكانية الحكم بعقوبة الإعدام ، فإننا لسنا بصدد تعديل إجرائي مجرد، لكننا أمام إعادة تشكيل خطيرة لمعيار العدالة ذاته، حيث أن القانون لا يوفر الحد الأدنى من الضمانات المطلوب توفيرها في المحاكمات التي تملك فيها المحكمة إمكانية النطق بأخطر وأشد أنواع العقوبات.
واللافت للنظر كذلك في هذا القانون أنه يصف المشتبه بهم بأنهم مجرمون أمنيون، وهو توصيف مستهجن قانونا. إذ إن القانون الدولي لا يكتفي بالتسمية، ويولي أهمية فائقة إلى طبيعة الفعل الجرمي وسياقه. فإذا جرى استخدام هذا التوصيف بشكل انتقائي، أو طبق على فئة بعينها دون غيرها، فإنه يتحول من أداة وصف قانوني إلى أداة تمييز تستخدم لتبرير معاملة عقابية أشد.
يمكن القول إن هذا الطابع التحويلي الذي يتسم به القانون يجسد ما يعرف في القانون الجنائي بمفهوم “القانون الجنائي للعدو”؛ وهو مفهوم جنائي يميز بين “الشخص العادي” و”العدو”، ويتعامل مع الأخير كخطر ينبغي استبعاده من الضمانات القانونية الكاملة. لذلك، لا يعود المشرع ينظر إلى الفرد كشخص يتمتع بحقوق قانونية، ويعامله كعدو (كمصدر خطر) يتعين التخلص منه ماديا. فتغدو العقوبة وسيلة للإقصاء النهائي، بما في ذلك إنهاء الوجود المادي للمحكوم عليه، لا وسيلة للإصلاح أو الردع العام بمفهومه التقليدي.
ثانياً: إشكالية إعدام الأسرى
تعد مسألة إعدام الأسرى، أو من قد تنطبق عليهم قانونًا صفة أسير الحرب أو يثور بشأنهم شك جدي في التمتع بها، من أخطر الإشكالات التي يثيرها هذا القانون، لأنها تمس جوهر الحماية التي أرساها القانون الإنساني الدولي في حالات النزاع المسلح. فالقواعد المستقرة في هذا القانون الدولي تقضي بأن المقاتل الذي يتمتع قانونا بصفة المقاتل أو أسير الحرب لا تجوز محاكته لمجرد مشاركته في الأعمال القتالية المشروعة، ويمكن محاكمته عن أفعال تشكل جرائم مستقلة وفق القانون الدولي. كما أن اتفاقية جنيف الثالثة توجب، عند وقوع شك بشأن الصفة، معاملة الشخص بوصفه أسير حرب إلى أن تفصل في وضعه هيئة مختصة. وحتى في الحالات التي تجوز فيها المحاكمة، فإنها تظل خاضعة لضمانات قضائية صارمة، تغدو أشد حيثما تعلق الأمر بعقوبة الإعدام. أما حرمان الأشخاص من هذه الصفة، أو الالتفاف على آثارها القانونية، فيؤدي إلى توسيع دائرة التجريم،ويفضي كذلك إلى تقويض جوهر الحماية ذاته التي قام عليه قانون النزاعات المسلحة.
وعليه، فإن إشكالية إعدام الأسرى لا يمكن النظر إليها بمعزل عن بقية عناصر القانون، بل تشكل نقطة التقاء بين خلل التكييف، والتمييز البنيوي، وضعف الضمانات، ما يجعلها عنصرًا مركزيًا في فهم كيف يتحول القانون من إطار للحماية إلى أداة لنزعها. وفي هذا السياق، فإن إنكار صفة الأسير لا ينفيها قانونًا، بل يشكّل قرينة على انتهاكها، ويعكس توظيفًا للتكييف القانوني بهدف إعادة تعريف نطاق الحماية وتقليصه.
علاوة على حرمان للأفراد من صفة أسير الحرب على النحو المذكور أعلاه، فإنه يهدر كذلك الحماية التي تقررها اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949 للأشخاص الواقعين تحت الاحتلال. فهذه الاتفاقية تضع نظاما قانونيا متكاملًا لحماية الأشخاص المحميين، وتضمن قيودا صارمة على سلطة دولة الاحتلال في المجال الجنائي. وهي تحصر، بوجه خاص، إمكانية تطبيق عقوبة الإعدام في نطاق ضيق جدًا، وتربطه بشروط استثنائية، من بينها ضرورة أن تكون الجريمة على درجة عالية من الخطورة، وأن تكون العقوبة مقررة مسبقا في تشريعات سارية قبل الاحتلال، فضلًا عن اشتراط توفير ضمانات قضائية مشددة. كما تلزم دولة الاحتلال باحترام المبادئ الأساسية للمحاكمة العادلة، وتحظر التدابير العقابية القائمة على التمييز أو الطابع الجماعي.
صفوة القول بشأن هذه المسألة أن توسيع نطاق تطبيق عقوبة الإعدام على فئة فضفاضة من الجرائم الأمنية، مقترنا بحرمان كبير من الضمانات الإجرائية، يشكل انحرافًا عن القيود التي يفرضها القانون الإنساني الدولي على سلطة الاحتلال، ويؤدي عمليًا إلى تفريغ الحماية التي قررتها الاتفاقية من مضمونها.
ثالثا: خلل التكييف القانوني ، التمييز البنيوي وحدود سلطة الاحتلال
أما المشكلة القانونية المركزية في هذا القانون، فتكمن في خلل التكييف القانوني، إذ يدرج أفعالًا قد تقع ضمن سياق نزاع مسلح ضمن نطاق القانون الجنائي الداخلي من دون فحص كافٍ لطبيعتها القانونية. ويؤدي ذلك إلى ما يمكن وصفه بتكييف دائري، يجعل الفعل جريمة انطلاقا من الغاية العقابية المراد ترتيبها عليه، لا نتيجة توافر أركان الجريمة فيه. وبالنتيجة، يمكن القول أن هذا النهج يفضي إلى إزالة الحدود الفاصلة بين القانون الدولي الإنساني والقانون الجنائي، وإلى تفريغ الحماية المرتبطة بسياق النزاع من مضمونها.
وتتضح خطورة هذا القانون أكثر عند النظر إليه في إطار قانون الاحتلال. فوفقًا للمادة 64 من اتفاقية جنيف الرابعة، يبقى القانون الجنائي الساري في الإقليم المحتل قبل احتلاله نافذًا من حيث الأصل، ولا تملك دولة الاحتلال تعديله أو تعطيله إلا في نطاق استثنائي ضيق تمليه ضرورات الأمن أو متطلبات الوفاء بالتزاماتها بموجب الاتفاقية. فسلطة الاحتلال في سن القوانين الجنائية هي مقيدة ومؤقتة، غايتها إدارة الإقليم وضمان الأمن، لا إعادة تشكيل النظام العقابي على نحو يمس جوهر الحقوق الأساسية.
وبالرجوع إلى المادة 68 من الاتفاقية ذاتها، يتبين أن إمكان فرض عقوبة الإعدام على الأشخاص المحميين محصور بشكل استثنائي وضيق، ولا يكون جائزًا إلا في حالات محددة، منها التجسس، وأعمال التخريب الخطيرة ضد المنشآت العسكرية التابعة لدولة الاحتلال، والقتل العمد الذي يفضي إلى وفاة شخص أو أكثر، وبشرط أن يكون قانون الإقليم قبل بدء الاحتلال يقر هذه العقوبة أصلًا. لذلك، فإن استحداث الإعدام أو توسيع نطاق تطبيقه خارج هذه الحدود، أو توظيف توصيفات فضفاضة من قبيل “الجرائم الأمنية” لتجاوزها، يمثل خروجًا على القيود الصارمة التي فرضها قانون الاحتلال على السلطة العقابية لدولة الاحتلال.
أما من منظور القانون الدولي لحقوق الإنسان، فإن هذا التوسع يتعارض كذلك مع الاتجاه التفسيري المستقر للمادة 6 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، الذي يؤكد وجوب التفسير الضيق لنطاق تطبيق عقوبة الإعدام، وقصرها على “أشد الجرائم خطورة”، ويحظر على الدول توسيع نطاقها أو إعادة إدخالها بالنسبة إلى جرائم لم تكن معاقبًا عليها بها من قبل، كما يعتبر أن زيادة معدل أو نطاق اللجوء إليها تخالف غرض الحق في الحياة.
ويزداد الإشكال تعقيدًا لأن القانون المذكور ينطوي على ازدواجية النظام القانوني المنطبق داخل الأراضي المحتلة من قبل الكيان الصهيوني. فبمقتضى هذا القانون، يخضع الأشخاص االموجودين داخل الإقليم ذاته لنظم قانونية مختلفة. فثمة نظام مدني لفئة، ونظام عسكري لفئة أخرى، الأمر الذي أن المساواة أمام القانون مفقودة بنيويًا. وفي هذا السياق، حتى لو بدا القانون محايدًا في ظاهره، فإن أثره العملي يكون غير محايد، ما يجعله جزءا من بنية تمييزية أوسع. فالتمييز يحكم عليه من خلال نصوص القانون، ومن خلال نتائجه وآثاره على حد سواء.
هذا التمييز هو تمييز مؤسسي وليس عرضياً؛ فبينما يتمتع المستوطنون في الإقليم الجغرافي ذاته بضمانات القانون الجنائي وحق المحاكمة أمام قاضٍ طبيعي، يحاكم السكان الواقعين تحت الاحتلال أمام محاكم عسكرية تفتقر لشرط “المحكمة المشكلة بموجب القانون” بمعناه الحرفي المستقر في القانون الدولي لحقوق الإنسان. وهذا التباين يحول نظام العدالة إلى أداة لترسيخ الهيمنة العرقية أو السياسية، ما يجعل القانون مندرجا ضمن تعريف جريمة الفصل العنصري وفق القانون الجنائي الدولي، بما في ذلك نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية.
رابعا : من العقوبة إلى المعاملة القاسية ومن النص إلى الاضطهاد
ولا يقف الأمر عند حدود التكييف أو التمييز، فهو يمتد إلى مسألة حظر المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية. فالإعدام، وإن لم يكن محظورا حظرا مطلقا لجهة الحق في الحياة، لكنه يفقد مشروعيته عندما يفرض في سياق يفتقر إلى الضمانات الأساسية أو يتسم بالتمييز. وعندما يجري تنفيذه بناء على محاكمة أمام جهة تفتقر إلى الاستقلال الكامل، فإنه قد يرقى إلى حرمان تعسفي من الحياة ويشكل معاملة أو عقوبة قاسية أو لا إنسانية.
يجب التأكيد هنا على أن اللجنة المعنية بحقوق الإنسان ( اللجنة التي تشرف على تنفيذ العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية) اعتبرت في تعليقها العام رقم 36 أن تنفيذ عقوبة الإعدام عقب محاكمة تفتقر للضمانات الواردة في المادة 14 من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية التي تتعلق بالحق في المحاكمة العادلة (مثل استقلال القضاء وحق الدفاع الكامل) يشكل حرماناً تعسفياً من الحياة.
وتأسيسا على للعناصر السابقة جميعها ( التكييف الانتقائي، التمييز البنيوي، غياب الضمانات، والتراجع في الحماية) يتضح أن القانون الذي يستهدف إعدام فئة من المعتقلين والأسرى الفلسطينيين هو بمثابة وسيلة للحرمان المنهجي من الحقوق الأساسية. وبالنتيجة، فهو يندرج ضمن بنية جريمة الاضطهاد كجريمة ضد الإنسانية وفق نظام روما الأساسي، حيث ينبغي النظر إلى الفعل كجزء من سياق أوسع من الحرمان الممنهج على أساس الهوية.
خاتمة
إن خطورة هذا القانون لا تكمن في عقوبة الإعدام بحد ذاتها، وهي تمتد إلى الوظيفة التي يؤديها داخل بنية قانونية تمييزية. فهو لا يقتصر على تنظيم العقاب، ويسعى إلى إعادة تشكيل العلاقة القانونية مع فئة محددة، ويحول القانون من إطار للحماية إلى أداة لتسويغ الحرمان وإدارته.
في الواقع، لا نرى أن الإشكال ينحصر في أن القانون أعاد إدخال عقوبة الإعدام وتوسيع نطاق تطبيقها ، ولكنه يتعلق بكونه قام بذلك ضمن سياق تمييزي، وبآليات تفتقر إلى الضمانات، وبما يتجاوز حدود سلطة الاحتلال. ولذلك، فإنه يفتئت على العدالة، ويغدو انعكاسا لبنية القوة التي تعيد إنتاج ذاتها من خلاله، على حساب جوهر الحق في الحياة ومبدأ المساواة أمام القانون.
وقصارى القول أن القانون الذي تبناه الكنيست بشأن إعدام الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين ليس مجرد تشريع عقابي، لكنه في جوهره بمثابة إعلان بإنهاء الحماية القانونية وتحويل الساحة القضائية إلى أداة لإدامة الاحتلال والسياسات التمييزية. ولذلك، فإن مواجهة هذا القانون لا تكون من خلال الاكتفاء بمناقشة تفاصيله الإجرائية فحسب، وهي تستدعي تفكيك وظيفته كأداة اضطهاد بنيوية تهدف إلى شرعنة العنف الممنهج وإدامة الهيمنة على الأراضي الفلسطينية. فالإشكالية المركزية لهذا القانون ليست في أنه يجيز الإعدام، ولكنها تكمن في كونه قانونا يحدد من يستحق الحياة ومن ليس جديرا بها.



