بقلم المرحوم بإذن الله الدكتور عبدالحميد القضاة
إِنَّ مِنْ صالِحِ الأَعْمالِ وَأَكْرَمِها عِنْدَ اللَّهِ وَالَّتي نَدَبَ إِلَيْها دينُنا الحَنيفُ إِطْعامُ الطَّعامِ وَالحَضُّ عَلَيْهِ وَالتَّرْهيب مِنْ عَدَمِ الحَضِّ عَلَيهِ أَو مَنعِهِ كَما وَرَدَ فِي القُرآنِ وَالسُّنَّةِ وَلَهُ فَضائِلُ جَمَّة.
ومِن هذِهِ الفَضائِل أَنَّهُ خَيرُ الأَعمالِ، فَعَن عَبدِ اللَّهِ بنِ عَمْرِو بنِ العاصِ رَضِيَ اللَّهُ عَنهُما أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَيُّ الْإِسْلامِ خَيْرٌ؟ قال: «تُطْعِمُ الطَّعَامَ وَتَقْرَأُ السَّلَامَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ» وقال صلى الله عليه وسلم: «أَحَبُّ الأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ سُرُورٌ تُدْخِلُهُ عَلَى مُسْلِمٍ ، أَوْ تَكْشِفُ عَنْهُ كُرْبَةً ، أَوْ تَطْرُدُ عَنْهُ جُوعًا ، أَوْ تَقْضِي عَنْهُ دَيْنًا”.
وَأَنَّ خَيرَ النَّاسِ مَن يَقُومُ بِه: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «خِيَارُكُمْ مَنْ أَطْعَمَ الطَّعَامَ» ، كَما أَنَّ لَهُ أَجرًا جَزيلًا عِندَ اللَّهِ، عَن عَائِشَةَ رضي الله عنها أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ لَيُرَبِّي لِأَحَدِكُمْ التَّمْرَةَ وَاللُّقْمَةَ، كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ فَلُوَّهُ أَوْ فَصِيلَهُ، حَتَّى يَكُونَ مِثْلَ أُحُدٍ».
وَفِيهِ النَّجاةُ مِن أَهوالِ يَومِ القِيامَةِ بِإِذنِ اللَّهِ فَقَد قالَ تَعالى : {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُورًا * إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا * فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورً} .
أَمَّا عن ماذا نُطْعِمُ، فَالْإِطْعامُ يَكُونُ مِن كُلِّ ما يُؤْكَلُ وَيُنْتَفَعُ بِهِ، اللُّقْمَةُ فِي فم امرَأَتِكَ لَكَ بِها أَجْرٌ. وَحَضَّنا دينُنا عَلى إِطْعامِ الْمِسكين. وَمَن أَطْعَمَ صائِمًا فَفَطَّرَهُ فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ.
قِصَّةُ عُقُوقٍ
عَظَّمَ الإِسلَامُ حَقَّ الوالِدينِ، وَقَرَنَهُ بِأَعْظَمِ الحُقُوقِ: حَقَّ اللَّه تَعالى، وَلَمْ يَرْضَ لَهُمَا دُونَ مَقَامِ الإِحسَانِ.
قَالَ تَعَالَى: (وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا)، لِذلكَ فَإِنَّ إِرسَالَ الوَالِدَينِ إِلى دُورِ العَجَزَةِ دُونَ مُبَرِّرٍ قَاهِرٍ حَقيقي فِيهِ عُقُوق.
تَتَزَاحَمُ الْقِصَصُ فِي بَالِ مَنْ تَمَّ إِرسَالُهُمْ إِلى تِلكَ الدّورِ بَعدَ أن انشَغَلَ أبنَاؤُهُم عَنهم، ومِنها مَا يَروِيهِ البَعضُ عَن امرَأَةً كَبِيرَة في السّن التي بَقِيَت تَجلِسُ على الشَّاطِئ لِسَاعَاتٍ لِوَحدِها.
فيَقول راوي القصة: أَتَيتُ عِند هذهِ المَرأَة، فَقُلتُ لها: يا والدة مَن تَنتَظِرينَ؟.. قالَت: أنتَظِرُ ابني، ذهبَ وسيَأتِي بَعدَ قَلِيل… شَكَ فِي أَمرِ هذهِ المَرأَةِ، وأَصابَه رَيبٌ في بَقائِها في هذا المَكان، الوَقْتُ مُتَأَخِّر، ولا يظُنُّ أَنَّ أَحَدًا سيأتي بعدَ هذا الوَقتِ…فانتظر ساعَةً كامِلةً وَلَمْ يَأْتِ أَحد… فذهب إليها مَرَّةً أُخْرى، وبعد سؤالها قالَت: يا وَلَدِي.. وَلَدِي ذهبَ وَسَيَأْتِي الآن. فَنَظَر فَإِذا بِوَرَقَةٍ بِجانِبِ هذهِ المَرأَةِ، فَقُلْتُ: لَو سَمَحتِ أُرِيدُ أَن أَقْرَأَ هذِهِ الورقَةَ.
قالَت: إِنَّ هذهِ الورقَةَ وَضَعَها ابْنِي وَقالَ: أَيُّ أحد يَأْتي فَأَعطُوهُ هذِهِ الورقَةَ. يَقولُ الرَّاوي: قَرَأْتُ هذِهِ الورقَةَ… فَماذا مَكتُوبٌ فِيها؟ مَكتُوبٌ فِيها: (إِلى مَنْ يَجِدُ هذِهِ المَرأَةَ الرَّجاءُ أَن يَأْخُذَها إِلى دارِ العَجَزَةِ). عَجَبًا لِحالِ هؤُلاءِ!!!
لا تَظُنُّوا هذهِ القِصَصَ مِنَ الخَيالِ، واللَّهِ فِي البُيُوتِ أَعظَمُ مِن ذلِكَ، واسْأَلُوا المَحاكِمَ، وَزُورُوا المُستَشْفَياتِ تَرَونَ العَجَبَ العُجابَ. اللَّهُمَّ اجْعَلْنا بارِّينَ بِوالِدَينا مُطِيعِينَ لَهُما فِيما يُرضِيكَ عَنَّا، وَأَعِنَّا وَإِيَّاهُمْ عَلى طاعَتِكَ.
(البوصلة)

