د. أحمد داود شحروري
Facebook
X
WhatsApp
Email
Telegram

من وحي القيام: ألسنا أمة واحدة؟

د. أحمد داود شحروري

يقصد الناس في ليالي العشر الأواخر من رمضان مساجدهم لقيام الليل ويتسابقون لاختيار المسجد الذي يؤمهم للصلاة فيه أحسن المشايخ صوتا وأخشعهم أداء، دون نظر إلى جنسية الإمام أو لونه، ففي الأئمة الأردني والسوري والمصري، وخلفه من المشرق والمغرب ما لا يعلم تنوع مشاربهم إلا الله، ولكنهم جميعا قدموا إلى المساجد اغتناما للأجر واستجابة لنداء خير الشهور لأداء أحسن الأعمال، وهم جميعا يدينون بدين واحد ويعبدون ربا واحدا في حدود مساجدهم، لكنهم إذا خرجوا صار الأمر إلى ما لا يتوافق مع روح هذه المساجد ولا إلى أهدافها، في مساجدهم يدعو الإمام: اللهم انصر الإسلام والمسلمين، فإذا خرجوا كرّسوا انقساما لا يتوافق مع هذا الدعاء، إذ ينعى بعض (الوطنيين) منهم على غيره حمْل علَم فلسطين على الأرض الأردنية باعتباره خرقا لسيادة الأردن، فإن كان المرفوع علَم طرف من أطراف المقاومة صار الذنب مضاعفا على اعتبار أنه تواصلٌ مع جهات خارجية وولاء لغير البلد، ولا أدري ما تعريف الولاء وما تعريف الوحدة عند هؤلاء وما مفهوم الوجع المشترك في أمة واحدة؟ لا أدري مدى صدق أمثال هؤلاء في كرههم لأعداء الإسلام الذين قسمونا أمما متناحرة على حدود مصطنعة ما كنا نعرفها في عهد الدولة العثمانية التي صنفوها دولة احتلال للعرب وقد حافظت على ريحهم ستة قرون كانت تدين لهم فيها أمم من الأعاجم التي تتحكم في مصائرهم اليوم، حتى إنه بات لا يعيّن وزير إلا برضاها (ومثاله تعيين حاكم مصرف لبنان)، ولا يثبت حاكم على كرسيه إلا بعيدا سخطها وغضبها.

في ليالي العشر الأواخر أرسِل ندائي ندِيّا غيورا صادقا إلى كل أعمى يعدّ رفْعَنا لعلم فلسطين وراية المقاومة تهمة بأن ينظر إلى الأمر بعين جماعة المسلمين في صلاة التراويح، بعين الوحدة الضرورية التي هي شرط البقاء في نظر أولي الألباب، فما قيمة حبك للعلم الأردني وأنت تستنكر رمزية رفع علم بلد مستهدف بالتدمير والاجتثاث، في لحظات تعاطف جماهيري مشروع وفق مبدأ كل من له قلب ينبض بوجع أطفال يئنّون تحت آثار القصف الغاشم والدمار الشامل؟! ألم يرفع الفرنسيون علم فلسطين فلم يتهمهم في ولائهم أحد؟ ألم ترفعه الشعوب الإنجليزية والأمريكية والإيطالية والفنزويلية والجنوب إفريقية؟ وإن منع بعضهم التظاهر تعاطفا مع فلسطين فليس لأن رفع علمها يلوّث ولاء المتظاهرين، ولكن خشية إغضاب العمّ سام وخوفا من استثارة ولي نعمته النظام الأمريكي، فلماذا إذن يُعدّ رفع العلم الفلسطيني على الأرض التوأم الغالي تنكّرا للأردن ولا تعُدّ كثير من الأنظمة الأجنبية ذلك إلا تعبيرا حرا عن رأي سياسي إنساني؟!

ولي في هذه الليالي الطيبة المباركة رجاء في أن يتحلى كتابنا الصحفيون بشيء من الموضوعية ولا يستحضروا المثل القائل: ( مبغوضة وخلّفت بنت) عندما يعلّقون على ردة فعل رمز يردّ عن نفسه ورهطه تهمة الانحياز للخارج وهو يذكّر من يعيره بها أنه قد انحاز يوما لأمريكا انحيازا مكشوفا يوم أوْلمَ لأعضاء سفارتها في بيته،  أفيستحقّ ردّ هذا الرمز عن عرضه وعرض جماعته أن يعلق أحد أصدقائي الصحفيين بأنه لو وصل هذا الرمز إلى الحكم في الدوار الرابع لحول أوراق خصمه إلى فضيلة المفتي؟! وكأني بك أيها الصحفي الصديق لو أن الرمز سكت ولم يعلق على ردح الرادح تقول: “أرأيتم كيف خرس فلم ينبس ببنت شفة؟ إنه في موقفه أضعف من أن يردّ”، واحترنا إزاء هذه المماحكات التي تذهب ببهاء عباداتنا ومعاني توجهنا لقبلة واحدة كيف نحتوي تربص المتربصين وشماتة الأعداء والحاقدين، ولا أملك إلا أن أسأل الله بحرمة هذه الليالي المباركة أن يهدينا جميعا إلى سبيل الرشاد.

(البوصلة)

Related Posts