أحمد عبد القادر – البوصلة
أبو النّور، وعميد الأسرى الفلسطينيين، وصاحب أطول مدّة اعتقال عند العدو الصهيوني، يدلف إلى نهايات عقده السّابع، الذي لم يرحم الاحتلال تقدمه في السن، فسلب منه عشرات السنوات خلف قضبان عدوانه البغيض، ووحشيته الهمجيّة، إلى أن جاء الطوفان، فكسر قيد السجن، وحرره، كما حطّم أغلال الخوف، التي تربّصت بالمهزومين، وحلّت بهم، كأنّ لا فكاك منها، وقد كان طوعاً أو كرهاً.
ابن كوبر، جارة رام الله وبرهام وجيبيا وأم الصفا، وفيرة الغلال والعسل، التي عشقها نائل منزلاً، ومبعث انتماء للقدس وفلسطين.
فتحاوي المبتدأ، حمساوي المنتهى، عانق الحريّة في وفاء الأحرار، إلا أنّ الاحتلال لم يطب له، فعاجله بإعادة الاعتقال، لأجلّ خطاب ألقاه؛ فالاحتلال يعلم أثر الكلمة، تلك الفرقان بين الحقّ والباطل.
أسد هصور، صاحب شكيمة عالية، من عائلة عريقة في النضال، متوزّعة الانتماءات، موحدة على حب فلسطين، من ثمراتها شقيقه عمر، وعبد الله القياديين الحمساويين، والقيادي الفتحاوي الأشهر مروان.
مناضل تزّوج بمناضلة، أو قل أسير لم ينفك قلبه عن الأسر، حتى اختار لشراكة حياته أسيرة، من مناضلات الانتفاضة الأولى.
هذا الأسر الطويل لعقود، كما يعني سلب الحريّة، وحبس الجسد، وحرمان الزيارة، والتعرّض المستمر للتنكيل، ومع كلّ ذلك، يبقى معنى عبّر عنه السابقون، وعرفه اللاحقون، متّصل بالإنسان الرّسالي، ربيب القضية، أنّ السجن مهما قسا، والأسر مهما طال، والظلمة مهما اشتدت، والسجّان مهما علا، فإنّ رحلة الحياة قصيرة، وراحة المؤمن عند لقاء ربّه.
هذا الأسر البغيض يصاحب بكثير من تغيرات الزمان وعادياته، فكلّ ما يجول في الخاطر يعانيه الأسير غياباً وفقداناً وبعداً، دون حولٍ له إلا من ذكريات أو حديث نفس، أيّ شيءٍ يعوّض عن موت الأب والأمّ في الأسّر؟، كيف للإنسان أن يستوعب أنّ حائطاً يحول بينه والحياة! غير ممكن إلا إذا كان الإيمان راسخاً في النفس، والتربية صلبة، وحب الوطن عميق، والانتماء إلى القضية عقيدة راسخة.
نائل لم ينل الأسر من عزيمته، بل نال هو ثقافة واسعة، كسبها من نهم في القراءة، وشغف بتعلّم اللغات، وتعليم لرفاقه عن تاريخ النضال الفلسطيني، وقبل ذلك وبعده نال شرف الجهاد، وحبّ الناس، وحقّ الوفاء له.
في يوم تحريره، لن يعود نائل إلى كوبر، ولن تحتضنه أسرته، ولن تلقاه رام الله وقراها، ولن يكون قريباً من القدس حبيبته، التي كانت قريته في زمن سابق تابعة لها إداريّاً، بل سيخرج مبعداً، لكنّه سيظل قريباً، عينه على وعد الله، الذي لا يخلف وعداً، بعود قريب، سواء كنّا شهوده أم لم نكن، يحرر الأرض والمقدسات، وينهي احتلال شذاذها.



