أحمد عبد القادر – البوصلة
تحتار في أي الألقاب تطلق، أو عن أي الصفات تتحدّث، إلا أنّ أكثر ما يجذبك له فكره المستنير، وثقافته الواسعة، وجرأته في الحقّ، فكان اسمه صفة ملازمة له، لا ينكرها عليه إلا صاحب فجر في الخصومة أو حسد على النعمة.
ثلاث وثمانون طفن عملاً وإنجازاً، علماً وقولاً، جندية وقيادة، فكراً وسياسة، دعوة ونيابة، كتابة وحديثاً، تجميعاً واستقطاباً، كله ما كان إلا نحو بوصلة الخير، وفي خدمة الأمّة وقضاياها، وحباً لتونس وأهلها النجب.
التونسيون الذين سلبت حرياتهم، وحوصروا في دينهم، وقضوا ردحاً من زمانهم في تضييق على أبسط حقوقهم المدنية، حتى جاءت ثورة الياسمين، التي انطلقت من أعماق الشعب المقهور الفقير المهمّش، التي قالت كلمة واحدة طافت الجنبات، وعلت فيها الأصوات: “ارحل” أو بالفرنسية “ديقاج”، حتى عبروا بعدها عن انحياز واضح في غير مرة لفكر حركة النهضة وبرنامجها؛ فانتخبوا قوائمها، وقدموا مرشحيها، وفي طليعتهم الشيخ راشد.
هذا حال الأنظمة التي لا شرعية لها، إلا بما تحصّن نفسها به من بطش وظلم وقمع، تجند لخدمتها الأجهزة والحزب الواحد وعبدة المال والمصلحة. فما أسهل انهيارها، وما أسرع فوات أمرها، ولا بواكي لها، ويفرّ منها جميع من كان منها فرارهم من النار والأسد.
لكن كيف تقر عين من اعتاد على الظلم والاستبداد أن يرى شعباً حراً، وأن تتجه إرادته نحو الإسلام خياراً، فما أعجلهم في العمل على محاكمة الثورة واستنقاصها، وإعادة الأمر إلى ما كان عليه، لكن بأدوات جديدة حيناً من الدهر، ثمّ يعود الأمر إلى كرّته الأولى، وسيرته السابقة. ولو أنّ التونسيين اختاروا غير خيارهم، واتجهت إرادتهم إلى غير وجهتها، لما حصل لهم ما حصل، بل لامتدت لهم الأيادي، واحتضنتهم أنظمة المال.
قبل أن يتعرض إلى الحكم منتخباً، كان الحكم والحريات العامّة ناضجة في فكره، واضحة معالمها، والتزمها واقعاً في ممارسته، وأكدها في الدستور الجديد، راضياً بما أفرزه الصندوق، حتى لو لم يكن في صالحه في بعض الجولات، شاكراً للشعب، محترما إرادته، منصاعاً لها.
في العالم الحرّ، يعد رئيس مجلس النواب المنتخب، أحد أركان السلطات الثلاث، ويتولى إدارة السلطة التنفيذية غالباً عند شغور موقع رئيسها، واليوم لا يوجد رئيس مجلس نواب معتقل إلا في عالمنا العربي.
ما معنى أن يحكم عليه بالمؤبد بعد سنوات من الاعتقال، كم تونسي قتلت يا راشد؟! كم عذبت؟! كم نهبت من المال العام؟! كم أفسدت في أخلاق المجتمع وقيمه؟! كم تواطأت مع أعداء الوطن؟! إذا كان لم يفعل شيئاً مما سبق!، ولم يفعل، فجريمته – إذن- أنه أراد الحرية والكرامة لوطنه في ظل مرجعية الإسلام، وهذا حال الأحرار والمصلحين عبر التاريخ.
يؤلم كلّ سويّ النفس أن يرى شيخاً تسعينيّاً وقوراً عالماً في أقبية السجون، إلا أنّ الدنيا مهما طالت قصيرة أيامها، والملتقى عند صاحب العدل في يوم العدل الأكبر.



