د. أحمد داود شحروري
Facebook
X
WhatsApp
Email
Telegram

مغلوبون على أمرهم بخذلانهم غزة

د. أحمد داود شحروري

صِنْف من الناس ينسب نفسه إلى الحكمة والرويّة في تحليل المشهد المأساوي الذي أفضى إلى انفراد العدوّ الصهيوني بغزة ، هذا الصنف يبرّر كل نقيصة ويعذر كل مشاركة في جريمة ، تقول له : لقد خذل العرب غزة وتركوها فريسة التغول الصهيوأمريكي والمخطط العالمي لتصفية القضية الفلسطينية في نكبة ثانية أبشع من نكبة تأسيس دولة احتلال على أرضنا وتحت سمائنا، فيجيبك صاحبنا بسرعة : إن دولنا مغلوبة على أمرها وأنظمتنا لا تملك أن تقول للعالم المتآمر : لا ، لأنها لو غامرت ووقفت في وجه أمريكا والغرب فسيكون أهل غزة خاسرين بفقد المساعدة التي نقدّمها لهم ، وسنفقد نحن كل ما يمنحه الغرب لنا من مقومات حياتنا التي لا نستطيع العيش بدونها .

ولا بد من الإجابة باختصار شديد عن هذه الشُّبَهِ المأساوية :

١) إن أصحاب هذه الحجج يسلّمون أن العرب فاقدون إرادتهم وقرارهم ، وأن ادعاءهم الاستقلال مجرد وهم لا يصدّقه الواقع ، وهذا في حدّ ذاته سبّة يجب أن نُجِلّ أنفسنا عنها .

٢) إننا دول محترمة ولسنا جمعيات خيرية مؤسسة لإمداد المنكوبين بالطعام والخيام والبطانيات ، وإن البديل هو النأي بأنفسنا عن استجداء العون لأشقائنا بشعورنا بعزة الدول المستقلة التي تفرض الفرَج والعون ولا تُقَبّل يد أحد لمنحهما .

٣) إن المغلوب على أمره هو في عداد المُكرَهِ في الفقه الإسلامي ، وإذا غلب العاقل على أمره ليسكت عن جرائم الاحتلال خشية أن يلحقه أذاه فإن معنى ذلك أن يدفعه الإكراه لقبول إهلاك غيره لينجو هو ، وهذا ما حرّمه الفقهاء بالإجماع ، فلو أشهر أحدهم سلاحه في وجهك لِحَمْلك على قتل غيرك فإنه يحرم عليك قتله لضمان سلامتك ، فإن كان لا محالة أحدكما مقتول فلتكن أنت ، فلا ذنب لمن ساوموك على قتله لتنجو ، وإن قتلك ممارس الإكراه فأنت شهيد .

لا ينبغي لعاقل أن يتذرع بالعجز والخوف والإكراه على سلوك سبيل الخذلان ، فإن دولنا تملك -لوأرادت- أن تنجو هي وينجو من تجيره وتقف مع قضيته ، لكننا أضعنا عشرات السنين في خذلان أنفسنا وخذلان المظلومين ، وسلّمنا ذقوننا لمن لا يخاف الله ولا يرحمنا فحصدنا المرّ وأطعمنا منه إجيالا ربيت في ظل خذلاننا، وصدق الله العظيم : “وَلَوۡ أَرَادُوا۟ ٱلۡخُرُوجَ لَأَعَدُّوا۟ لَهُۥ عُدَّةࣰ وَلَـٰكِن كَرِهَ ٱللَّهُ ٱنۢبِعَاثَهُمۡ فَثَبَّطَهُمۡ وَقِیلَ ٱقۡعُدُوا۟ مَعَ ٱلۡقَـٰعِدِینَ” . صدق الله العظيم.

(البوصلة)

Related Posts