صِنْف من الناس ينسب نفسه إلى الحكمة والرويّة في تحليل المشهد المأساوي الذي أفضى إلى انفراد العدوّ الصهيوني بغزة ، هذا الصنف يبرّر كل نقيصة ويعذر كل مشاركة في جريمة ، تقول له : لقد خذل العرب غزة وتركوها فريسة التغول الصهيوأمريكي والمخطط العالمي لتصفية القضية الفلسطينية في نكبة ثانية أبشع من نكبة تأسيس دولة احتلال على أرضنا وتحت سمائنا، فيجيبك صاحبنا بسرعة : إن دولنا مغلوبة على أمرها وأنظمتنا لا تملك أن تقول للعالم المتآمر : لا ، لأنها لو غامرت ووقفت في وجه أمريكا والغرب فسيكون أهل غزة خاسرين بفقد المساعدة التي نقدّمها لهم ، وسنفقد نحن كل ما يمنحه الغرب لنا من مقومات حياتنا التي لا نستطيع العيش بدونها .
ولا بد من الإجابة باختصار شديد عن هذه الشُّبَهِ المأساوية :
١) إن أصحاب هذه الحجج يسلّمون أن العرب فاقدون إرادتهم وقرارهم ، وأن ادعاءهم الاستقلال مجرد وهم لا يصدّقه الواقع ، وهذا في حدّ ذاته سبّة يجب أن نُجِلّ أنفسنا عنها .
٢) إننا دول محترمة ولسنا جمعيات خيرية مؤسسة لإمداد المنكوبين بالطعام والخيام والبطانيات ، وإن البديل هو النأي بأنفسنا عن استجداء العون لأشقائنا بشعورنا بعزة الدول المستقلة التي تفرض الفرَج والعون ولا تُقَبّل يد أحد لمنحهما .
٣) إن المغلوب على أمره هو في عداد المُكرَهِ في الفقه الإسلامي ، وإذا غلب العاقل على أمره ليسكت عن جرائم الاحتلال خشية أن يلحقه أذاه فإن معنى ذلك أن يدفعه الإكراه لقبول إهلاك غيره لينجو هو ، وهذا ما حرّمه الفقهاء بالإجماع ، فلو أشهر أحدهم سلاحه في وجهك لِحَمْلك على قتل غيرك فإنه يحرم عليك قتله لضمان سلامتك ، فإن كان لا محالة أحدكما مقتول فلتكن أنت ، فلا ذنب لمن ساوموك على قتله لتنجو ، وإن قتلك ممارس الإكراه فأنت شهيد .
لا ينبغي لعاقل أن يتذرع بالعجز والخوف والإكراه على سلوك سبيل الخذلان ، فإن دولنا تملك -لوأرادت- أن تنجو هي وينجو من تجيره وتقف مع قضيته ، لكننا أضعنا عشرات السنين في خذلان أنفسنا وخذلان المظلومين ، وسلّمنا ذقوننا لمن لا يخاف الله ولا يرحمنا فحصدنا المرّ وأطعمنا منه إجيالا ربيت في ظل خذلاننا، وصدق الله العظيم : “وَلَوۡ أَرَادُوا۟ ٱلۡخُرُوجَ لَأَعَدُّوا۟ لَهُۥ عُدَّةࣰ وَلَـٰكِن كَرِهَ ٱللَّهُ ٱنۢبِعَاثَهُمۡ فَثَبَّطَهُمۡ وَقِیلَ ٱقۡعُدُوا۟ مَعَ ٱلۡقَـٰعِدِینَ” . صدق الله العظيم.
(البوصلة)



