انتشر تسجيل صوتي لصحفية من الضفة الغربية قبل شهور، ملخصه: “نصف مليون نازح تركوا بيوتهم، ومن معهم جنسية غير الجنسية الإسرائيلية يهاجرون، تدهوُرٌ عسكري، تدمير شديد في حيفا، أمراض نفسية تتفشى في الجنود، عدد ضحايا اليهود كبير جدا، إنهم ينهارون، النتن يتخبط، أهل غزة تعوّدوا على المصائب فلهم الله، ليس لدينا صحفيون ينقلون الأخبار بدقةٍ ليظهروا مدى فداحة إصابة الصهاينة وجسامة خسائرهم، نتلقى الأخبار من أقاربنا عبر الهاتف”، انتهى كلامها، وما يزال فحوى هذه الأخبار ينطبق على جوّ المواجهة حتى اليوم، تؤكدها الأخبار التي يتابعها الجميع عن مقتل ضباط كبار في جيش العدوان الصهيوني آخرهم قائد اللواء 401 وإصابة بعض الضباط المرافقين إصابة خطيرة، ليس هذا كل شيء، فإن صحيفة معاريف الصهيونية نشرت أن عدد طلبات علاج الضغط النفسي لمنظمة تسمى “عيران” وصلت إلى ثلاثمئة ألف طلب منذ بداية الحرب.
في المقابل دمَّرت قوات البغي الصهيوني 80% من مظاهر الحياة في قطاع غزة وقتلت ما يزيد على خمسين ألف شهيد إذا حُسب الذين ما زالوا تحت الردم من الشهداء، وقُتِل القادة إسماعيل هنية وصالح العاروري ويحيى السنوار، هذا في جبهة غزة، أما لبنان فقد قتل في جبهتها حسن نصر الله الأمين العام وعدد كبير من قادة الحزب.
ولا يجوز أن ينسى منصف أن ما حدث في السابع من أكتوبر 2023 مرّغ كرامة الجيش الصهيوني في التراب وأخزى الأعراب الذين خلَدوا إلى جنة الصهاينة وإذا بها وَحْل أسود لطّخ وجوه المتراكضين إلى الذلّ تحت أقدامهم، وإذا بهم بمعيتهم يُخذَلون.
تكاليف الثورات باهظة كما علّمنا التاريخ، ولا يَحسِم النصر أو الهزيمة عددُ القتلى ولا كمّ الدمار، إنما يُغلِّب أحدَهما على الآخر جولاتٌ حاسمة عادة ما تكون لصالح أصحاب الأرض، لأن المستعمر لن يقوى على الصمود أمام إصرار صاحب الأرض على أن يكتب الفصل الأخير من المواجهة بدمه فيُنبِت بذرة النصر التي لا تسقيها إلا الدماء، وتكون هذه الدماء سُمّا زعافا في حلوق المستكبرين.
لقد أدى عدوان الفرنسيين على الجزائر في يوم واحد إبان الثورة الجزائرية إلى ارتقاء خمسة وأربعين ألف شهيد، نعم في يوم واحد لا في سنة واحدة.
ومما يؤسى له أن نجد في أمتنا أشخاصا يُخلع على الواحد منهم ألقاب أكبر من حجمه بكثير يصرّح بأن غزة هُزِمت، وما تصريحه إلا شهوة نفسه وأمانيه الخبيثة، فهو لا ينتمي شعوريا لهذه الأمة، لا بل لا ينتمي إلى الموضوعية والواقعية، فما أبأس طالعَهُ ونحن نرى ونسمع عسكريين وصحفيين صهاينة يُقِرون بهزيمة “دولة إسرائيل” ويطلقون على النتن لقب “مغامر” أو “أحمق”، لكنهم على كلٍّ لا يبلغون دقّة وصف القائد محمد الضيف له حين قال: “النتن عنده غباء مركّب”.
ومن أسف أن تذهب تحليلات مجموعة من السياسيين والصحفيين العرب إلى حدّ أن يروا في الأفق نتيجة قريبة لحرب غزة يغلّبون فيها احتمال قرب حسمها لصالح الصهاينة، ولذلك فإنهم ينقمون على كل من دعا إلى نصرة غزة أو ابتهج بعملية عسكرية ضدها، وما يحملهم على ذلك إلا خشية أن يقعوا تحت العقاب الأليم حين تنهزم حماس وينتصر الصهاينة، وهؤلاء مساكين يستحقون الشفقة، فإن رائحة الانكسار والخيبة الصهيونية لا ينكرها إلا مريض بالزكام الفكري، والأمة اليوم حَرِيّة بأن تصطف لدعم المقاومة خشية أي احتمال لهزيمتها، فلقد قلنا مرات كثيرة: إن هزيمة المقاومة تعني تمدُّد المشروع الصهيوني، وإن هذا التمدد سيكون على حساب الدول العربية وأنظمتها لا سمح الله، فهل من عاقل يذكّر الغافلين أن إظهار فرحنا بالعمليات العسكرية ضد يهود كائنا من كان منفّذها هو قهر لهذا العدو ولعب بمعنوياته وهذا في حدّ ذاته جُهدٌ مقاوِم بامتياز، ولله الأمر من قبل ومن بعد.
(البوصلة)



