في حين يُطلب من خطبائنا أن يذكّرونا بفضل الأذكار الصباحية والمسائية تعيشون يا أهل غزة على بركات الذِّكر في كل نفَس تتنفسونه، وفرق كبير بين من يحتاج أن يذكّر ليذكُر ومن يَعُدّ الذكرَ حياتَه، فإن فاته الذِّكر مات.
إنكم حين تقولون: “أصبحنا وأصبح الملك لله” تؤمنون بقدَر الله في أن “الأرض لله يورثها من يشاء”، فتعملون بجد ّ صادقين صالحين ليصدق فيكم وعد ربكم “أن الأرض يرثها عبادي الصالحون”.
وحين تقولون: “أصبحنا على فطرة الإسلام وكلمة الإخلاص” تتمثلون التوحيد الخالص فلا تعملون إلا لله، ولا تجاهدون إلا في الله، ولا تعيشون إلا لطاعة الله ولا تموتون إلا في سبيل الله.
وحين تقولون: “رضينا بالله ربّا” فإنكم تكفرون بسيادة العبيد، “وبالإسلام دينا” فأنتم لا تقرون بظلم الأديان ولا بسيادة المبادئ الهابطة، “وبمحمد نبيا ورسولا” فأنتم جنده وتلاميذ دوحته.
فإذا قلتم: “أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق” فإنكم تعوذون بمعيذ سبحانه هو الله الذي يكفيكم عدوكم ويعطيكم سؤلكم ويبلغكم مقاصدكم.
أذكار الصباح والمساء في حياتكم يا أهل غزة هي عنوان توحيد خالص، لو عملت الأمة في ظلاله لما شقيت بسعيها ولا ضلت طريقا، وحين تمثلتم التوحيد عملا لا قولا كنتم سادة الميدان وأُسده الربانيين.
أذكاركم يا أهل غزة هي الحياة التي لو عرفنا طعمها لأقبلنا على حياض الموت الذي منه تشربون، ولهانت في عيوننا دنيا الهوان التي تحررتم من أسرها وسرتم واثقين بربكم، فإن عشتم عشتم أعزاء وإن متّم قضيتم شهداء، وبقينا خلفكم نجترّ آمالنا بِغَد نعيشه أنعَمَ ملمسا من أمسكم الذي عشتموه، ولم نقبض إلا سراب الأوهام وذلّ الاستسلام.
علمتم يا أهل غزة أن ذكر الجوارح كلها أبلغ من ذكر اللسان وحده، فذكرتم الله بأيديكم التي حملت السلاح لمجابهة أخطر عدو عرفه التاريخ تنطوي عقيدته على التقرب إلى ربه المزعوم بإفناء كل ما لا يدين باليهودية، وذكرتم الله بعيونكم التي ترنو إلى القدس فأطلقتم على طوفانكم اسم القدس توضيحا للهدف وغيظا للعدو، وذكرتم الله بإقبالكم على العدو بأرجلكم التي تركض إلى الشهادة وهي تلصق عبوة الموت بدبابة هي أشبه بعمارة محصنة،فأحالها ذِكركم لله إلى “سكراب”، لتثبتوا للدنيا أن الذكر الذي لا ينتج قهر العدو هو تحريك للسان لا يتجاوز أثره الحنجرة، ولا يدل إلا على دروشة سلبية.
يا أهل غزة فرق بين من يذكر الله ومن يذكره الله، والله لا يذكر إلا من أتبع الذكرَ الشكرَ “فَٱذۡكُرُونِیۤ أَذۡكُرۡكُمۡ وَٱشۡكُرُوا۟ لِی وَلَا تَكۡفُرُونِ” وشكر الله يكون بالإحسان الذي لا يبلغ أوجَهُ اللسان، لقد أحسنتم لأنفسكم حين أبيتم الضيم، وأحسنتم لأمتكم حين رضيتم الموت لترقى أمتكم في منازل السيادة والعزة وتخرج من دائرة العبودية لغير الله.
يا أهل غزة، مثل ذكركم يكون الذكر، ومن ليسوا على خطاكم مدّعون.
(البوصلة)



