البوصلة – شهدت الآونة الأخيرة دخول عدة شركات ذكاء اصطناعي ساحة الوكلاء عبر أدوات وتطبيقات مختصة تقدم هذه القدرات، ورغم اختلاف الشركات والتقنيات التي تعتمد عليها كل شركة، فإن شيئا واحدا يجمع هؤلاء الوكلاء الجدد، وهو التصميم اللطيف الجاذب للأنظار من الوهلة الأولى.
واعتمدت العديد من شركات الذكاء الاصطناعي على هذه التصميمات الجذابة مع اختلاف أشكالها، بدءا من شركة “ميتا” التي كشفت عن وكيل الذكاء الاصطناعي الخاص بها “ميوز” بتصميم دمية تشبه “لابوبو” كثيرا، وحتى أوبن إيه آي التي كشفت عن وكيلها “دوتس” مع تصميم جذاب ولطيف لنقاط متحركة.
وينطبق الأمر كذلك على العديد من وكلاء الذكاء الاصطناعي الآخرين، إذ استخدمت “سبيس إكس” تصميم كائن فضائي أزرق اللون مائل إلى الخضرة، أطلق عليه المستخدمون اسم “غروكليت”.
ويعكس هذا التوجه تغيرا كبيرا في الفلسفة والأسلوب الذي تتبعه شركات الذكاء الاصطناعي في الترويج لمنتجاتها، فبدلا من الاكتفاء بالأسماء المعقدة التي توحي بالقوة والكشف عن القدرات الفائقة لتلك النماذج، أصبحت الآن تعتمد على “التمائم” اللطيفة، فلماذا هذا؟
حيلة لجعلك تنسى
ويرجح تقرير موقع “بيزنس إنسايدر” أن توجه شركات الذكاء الاصطناعي لاستخدام هذه التمائم يرجع لسبب بسيط للغاية، إذ تحاول الشركات تشتيت انتباه المستخدم بعيدا عن التحذيرات من مخاطر الذكاء الاصطناعي وقدرته على تدمير البشرية كما وصفها باحثو شركة أنثروبيك الأمريكية سابقا.
وتساهم هذه التمائم في تخفيف نبرة الحديث السوداوية المحيطة بتقنيات الذكاء الاصطناعي بشكل عام، وتحاول جاهدة أن تجعل المستخدمين يتعلقون به عبر مداعبة الغرائز البشرية نحو الأشياء اللطيفة الصغيرة.

وتوحي هذه التصميمات أيضا بأن الذكاء الاصطناعي هو صديقك الذي جاء ليعمل معك ويساعدك على إتمام مهامك المختلفة، ويعكس هذا تغيرا في السردية المحيطة بالتقنية.
وتتخذ السردية المحيطة بالذكاء الاصطناعي الآن شكلا جديدا، فبدلا من القول إن التقنية تستبدل الموظفين البشر خلال السنوات المقبلة، أصبحت الشركات الآن تقول إنها تعزز إنتاجيتهم وتزيد من كفاءتهم بشكل كبير.
أصل تاريخي وعلمي
وأفاد تقرير “بيزنس إنسايدر” بأن اتباع الشركات لهذا الأسلوب ليس أمرا جديدا وحكرا عليها، إذ حاولت اليابان القيام بالأمر ذاته عبر الترويج لثقافة “كوايي” التي تقودها شخصية “هيلو كيتي” عبر جيش من الدمى اللطيفة والقرطاسية والرسوم المتحركة، في محاولة لتشتيت العالم عن التاريخ الإمبراطوري الياباني قبل الحرب العالمية الثانية.

ويؤكد هذا الأمر جوشوا بول ديل مؤسس المجال الأكاديمي المتخصص في “دراسات اللطف ” والأستاذ بجامعة تشوو في طوكيو، مشيرا إلى أن رؤية شيء لطيف تحفز مراكز اللذة في الدماغ قبل أن تتاح لك فرصة التفكير فيه.
ومن ناحية أخرى، فإن رؤية هذه التمائم تحفز الشعور بالحنين إلى الماضي لأبناء الألفية و”الجيل إكس” إذ تذكر بعضهم بلعبة “تاماغوتشي” الشهيرة أو شخصيات “ماي سبيس” الرمزية وفق تقرير “بيزنس إنسايدر”.
ظلام يشع من الوجه اللطيف
يشير تقرير موقع “ذا فيرج” التقني الأمريكي إلى أن محاولة “ميتا” لدمج وكلاء الذكاء الاصطناعي في كل منتجاتها أمر مريب ومخيف بالنظر إلى سجل الشركة الحافل في التعامل مع البيانات، مثلما حدث في واقعة “كامبريدج أناليتكا ” الشهيرة.
ورغم هذا، فإنه يصعب مقاومة لطافة “جولي” تميمة وكيل الذكاء الاصطناعي “ميوز ” التي أطلق عليها الرئيس التنفيذي للشركة مارك زوكربيرغ هذا الاسم، وبالتالي تجد نفسك تشارك المعلومات معه بكل سهولة.

ويوضح التقرير أن وكيل الذكاء الاصطناعي من “ميتا” مثل بقية الشركات يطلب الوصول إلى العديد من المعلومات والبيانات عنك حتى يتمكن من مساعدتك بشكل كامل، وتختلف هذه البيانات بناء على ما تطلبه منها.
وإذا كان ما تطلبه يتعلق بالصحة، فسيطلب منك بيانات الصحة، وإن كان ماليا فسيطلب منك بيانات مالية وهكذا.
وينطبق الأمر كذلك على كافة وكلاء الذكاء الاصطناعي، فهم يقدمون أفضل ما لديهم عند حصولهم على أكبر قدر ممكن من البيانات عنك، وهو ما يصفه تقرير “ذا فيرج” بكونه جانبا مظلما خلف الابتسامة المحبوبة.
موجه للكبار حصرا ولكنه يشبه لعب الأطفال
ويصف تقرير مواقع “وايرد” التقني الأمريكي تصميم “جولي” بأنه يشبه لعب الأطفال إلى حد كبير، فضلا عن شبهه الكبير بلعبة “لابوبو” التي أحدثت ضجة عالمية واسعة في السنوات الماضية.
ولكن، رغم هذا التصميم، فإن الشركة أوضحت بكل صراحة أن وكيل الذكاء الاصطناعي “ميوز” مخصص للبالغين الأكبر من 18 عاما حصرا، وذلك بناء على تصريحات المتحدث باسم الشركة دانييل روبيرتس مع موقع “وايرد”.

ويشير التقرير أيضا إلى أن التصميم اللطيف لشخصية “جولي” قد يجعل المستخدم يتغاضى عن مخاوف الخصوصية التي تحيط بوكلاء الذكاء الاصطناعي.
ابتسامة لطيفة وسط تحذيرات الهلاك
وجاء الكشف عن “جولي” و”ميوز” ضمن فعاليات مؤتمر “كونكت” الذي تقيمه الشركة بشكل سنوي، وذلك على خلفية عدد من التحذيرات السوداوية للغاية من كبرى شركات الذكاء الاصطناعي.
ففي الوقت ذاته، استقال أحد باحثي “أنثروبيك” وحذر من أن الذكاء الاصطناعي قادر على تدمير البشرية، بينما قال آخر إن معايير الشركة وثقافتها لا تتفق مع الثقافة البشرية بشكل عام.
وظهرت هذه التحذيرات عقب موجة من الاختراقات التي قام بها وكلاء الذكاء الاصطناعي المارقون من شركات “أوبن إيه آي” و”أنثروبيك” و”ميتا” وغيرها من الشركات.
لذلك، ورغم التصميم اللطيف المحبب، يجب ألا ينسى المستخدم أنه يتعامل مع وكيل ذكاء اصطناعي قادر على اختراق أعتى الدفاعات السيبرانية بسهولة كبيرة.



