نشرة فاعتبروا (390): التَّعَلُّمُ مَدى الحَياةِ

نشرة فاعتبروا (390): التَّعَلُّمُ مَدى الحَياةِ

بقلم المرحوم بإذن الله الدكتور عبدالحميد القضاة

          لِماذا نَرى النّاسَ تَستَثقِلُ التَّعَلُّمَ؟ لا أَقصِدُ العِلمَ الشَّرعيَّ فَقَط، وإِنَّما أَقصِدُ التَّعَلُّمَ عُموماً، تَعَلُّمَ أَيِّ شَيءٍ مُفيدٍ في الحَياةِ.

          والحَقيقَةُ خِلافُ ذلِكَ؛ فَإِنَّ الإِنسانَ أيّاً كانَ مَجالُهُ بِحاجَةٍ إلى التَّعَلُّمِ ما دامَ حَيّاً! وقَديماً قِيلَ لِبَعضِ العُلَماءِ: إلى مَتى يحسُنُ بِالإِنسانِ أَن يَتَعَلَّمَ؟ فَقال: ما حسُنَتْ بِهِ الحَياةُ!

          وكَثيرٌ مِنَ النّاسِ لَدَيهِ استِعدادٌ لِقَضاءِ عَشرِ ساعَاتٍ في أَداءِ عَمَلٍ ما بِطَريقَةٍ خاطِئَةٍ، بَدَلاً مِن قَضاءِ عَشرِ دَقائقَ فقط في تَعَلُّمِ الطَّريقَةِ الصَّحيحَةِ لِأَدائِهِ!

          الطّالِبُ بَعدَ انتِهاءِ الجامِعَةِ، لماذا لا يُحاوِلُ أَن يُوَسّعَ ثَقافَتَهُ بِالقِراءَةِ؟ الباحِثُ بَعدَ حُصولِهِ على الدُّكتوراهِ، لماذا لا يُريدُ أَن يَستَزيدَ مِنَ العِلمِ في تَخَصُّصِهِ؟

          المُوَظَّفُ في عَمَلِهِ، ماذا لا يَتَعَلَّمُ المَزيدَ عن وظيفَتِهِ بِحَيث يُؤَدّيها بِطَريقَةٍ أَفضَلَ؟ الطَّبيبُ في مُستَشفاهُ، لماذا لا يَطَّلِعُ على البُحوثِ الطّبيَّةِ الجَديدَةِ حتى يَكونَ أَداؤُهُ أَحسَنَ؟

          ولَستُ أَعني أَنَّ كُلَّ النّاسِ تارِكَةٌ لِلتَّعَلُّمِ كما لا يخفى، فَهُناكَ كَثيرٌ مِنَ النّاسِ تُحِبُّ التَّعَلُّمَ، وَتَتَشَوَّقُ لِلمَزيدِ مِنَ العِلمِ في تَخَصُّصِها وفي غَيرِ تَخَصُّصِها، لكِنَّ هذا الكَثيرَ يَظَلُّ قَليلاً جِدّاً إِذا قِيسَ إلى بَقِيَّةِ النّاسِ.

          وإِنَّ مِن شَرَفِ العِلمِ أَنَّهُ قَد يَنفَعُ صاحِبَهُ حَتّى وإِن كانَ كافِراً! تَأَمَّلْ قِصَّةَ سَحَرَةِ فِرعَونَ لَمّا أَلقَوا حِبالَهُم فَلَقِفَتها عَصا مُوسى، ماذا حَصَلَ؟ لَم يُؤمِنْ فِي هٰذا المَوقِفِ إِلّا هؤُلاءِ السَّحَرَةُ! لِماذا؟

          لِأَنَّهُم كانوا أَعلَمَ النّاسِ بِالسِّحرِ في هذا الوَقتِ، وَلِذلِكَ فَهُم يَعلَمونَ حَقَّ العِلمِ أَنَّ ما رَأَوهُ أَمامَهُم لَيسَ مِنَ السّحرِ، وأَنَّهُ فَوقَ قُدرَةِ البَشرِ، فَإِذا كانَ هذا حالُ أَحَدِ العُلومِ المَذمومَةِ كَالسِّحرِ، فَما بالكَ بِالعُلومِ المَحمودَةِ؟!

          إِنَّ الشَّغَفَ بِالمَعرِفةِ، وحُبَّ الِاطّلاعِ على الجديدِ، والاستِزادة مِنَ العِلم؛ مِن صِفاتِ الإِنسانِ الجَيّدِ، ولا شَكَّ أَنَّ هذا سَيَنفَعُ صاحِبَهُ يَوماً ما، إِن لَم يَكُن في حاضِرِهِ فَفِي مُستَقبَلِهِ، وإِن لَم يَكُن في أُخراهُ فَفِي دُنياهُ. اللّهُمَّ عَلّمنا ما يَنفَعُنا، وانفَعنا بِما عَلَّمتَنا، وَزِدنا عِلماً، وَبَلّغنا مِنَ العِلمِ النّافِعِ آمالَنا.

لا تَأكُلْ بِدينِكَ !

          دَخَلَ عَبدُاللَّهِ بنُ مُحَيريزٍ دُكّاناً يُريدُ أَن يَشتَرِيَ ثَوباً، فَقالَ رَجُلٌ قَد عَرَفَهُ لِصاحِبِ المَحَلّ: هذا ابنُ مُحَيريزٍ فَقيهُنا وعابِدُنا فَأَحسِنْ بَيعَهُ! فَغَضِبَ ابنُ مُحَيريزٍ، وَطَرَحَ الثَّوبَ مِن يَدِهِ وقالَ: إِنَّما نَشتَري بِأَموالِنا ولا نَشتَري بِدينِنا!

          وَمَرَّ إِبراهيمُ بنُ أَدهمَ بِغُلامٍ يَبيعُ التّينَ، فَقالَ لَهُ: يا غُلامُ بِعنِي مِن هذا التّينِ. وَكَأَنَّ الغُلامَ كانَ يَتَوَقَّعُ مَبلَغاً أَكبَرَ، أَو مُشتَرِياً آخَرَ، فَأَبى أَن يَبيعَهُ مِنهُ. فَجاءَ رَجُلٌ إِلَى البائِعِ وقالَ لَهُ: بِعْ لَهُ فَإِنَّهُ إِبراهيمُ بنُ أَدهمَ فَقيهُ دِيارِ الشّامِ كُلّها! فَلَحِقَ الغُلامُ بِإِبراهيمَ، وَقالَ لَهُ: يا عَمِّ خُذِ التّينَ بِالسّعرِ الَّذي تُريدُ! فَقالَ لَهُ إِبراهيمُ بنُ أَدهمَ: يا بُنَيَّ، إِنَّنا لا نَشتَرِي التّينَ بِالدِّينِ!

(البوصلة)

اقرأ أيضاً

Facebook
X
WhatsApp
Telegram
Email