إذا أُصيب شخصٌ بمرضٍ فكابر، ولم يزر طبيبًا، ولم يُبح لمن حوله بمرضه، وطال به ذلك، فإنّ مرضه – لا شكّ – قاتله. وسُنّةُ الله تعالى في الناس أن يمرضوا فيتداووا فيُشفَوا بإذنه. والنبيّ ﷺ يأمرنا فيقول: “تداووا عبادَ الله”.
وكما يمرض الفرد، تمرض الدول والكيانات؛ تمرض أخلاقها، وتمرض تشريعاتها، ويمرض اقتصادها، وتمرض خططها السياسية وعلاقاتها الدولية. والحاكميّة الرشيدة هي التي تعترف بالمرض ولا تُكابر، وتستعين بخبرات الأمّة وحكمة ذوي العزم والرأي فيها، ولا تستثني أحدًا، سواء كان ابن داية أو ابن ضُرّة؛ فالحبّ والكره لا يمنعان من الميراث، فكيف يمنعان من الإفادة في تكثير المال الموروث لصالح مُورّثٍ عاقل؟
الأمّة – بمجموعها محبّ وكاره، مُوالٍ ومعارض – هي صاحبة المال في الدولة، وهي وريثة المستقبل بأجيالها المتعاقبة. ولأنّ الصحابيَّ العاقل قاتلَ زيدِ بنِ الخطاب قال لأخيه عمر رضي الله عنهما حين أشاح بوجهه عنه:
– هل يمنعك كُرهك لي من أن تعدل معي؟
فقال عمر: لا، بل تأخذ حقوقك كلّها.
فقال الرجل: حبَّني أو لا تحبَّني، إنّما يبكي على الحبّ النساء.
إنّ المناكفات السياسية التي تحرم الدول من الإفادة من عقول أبنائها – أفرادًا وجماعات – إنما تُقصِّر عمر الدول، وتكسّر مجاديفها في خضمّ بحرٍ هائجٍ بأمواجٍ عاتيةٍ لن ترحم أحدًا، مواليًا كان أو معارضًا.
وإنّنا في بلدنا الحبيب الأردن بحاجةٍ إلى استنطاق الحجر لإخراجنا من كبواتنا، ومنها كبوة الاقتصاد والمال. وإنّي لأدعو الحكومة – مشكورة – إلى الإفادة من عقول المنظّرين في أحزابنا الوطنية، بغضّ النظر عن لونها السياسي، فـ”الحكمة ضالّة المؤمن أنّى وجدها فهو أحقّ الناس بها”.
وإذ نقترب من مناقشة الموازنة العامّة، فإنّ أحزابنا كلّها ستُدلي بدلوها، وأكثر من حزبٍ في أردننا يمتلك نظرةً اقتصاديةً أو برنامجًا متكاملًا. صحيحٌ أنّ مناقشتها تأخّرت، لكن لا نعدم فائدةً من التعاطي مع خطوطها العريضة أثناء مناقشة الموازنة.
وكُلّي أملٌ في نوّابنا – جميعًا، أفرادًا وأحزابًا – أن نترك المهاترات والكلام الهامشي، ونغتنم الوقت كلّه لإصلاح ما أفسدته السنين المتعاقبة، ولنتحدَّ مقولةَ اليائس: “لا يُصلح العطّار ما أفسد الدهرُ”.
أرأيتَ إلى تجّار الأعشاب يملأون وسائل التواصل بتحدّي الأمراض المستعصية بأعشابهم؟ أفنكون أقلَّ عزيمةً منهم، ونحن من يُفتَرض أن نتاجر مع الله بعشبة التقوى وكبسولات الإصلاح، وبالحاكميّة الرشيدة التي هي – لا غيرها – “حبّة البركة”؟
ويا فوزَ المستغفرين.
(البوصلة)



