د. أحمد داود شحروري
Facebook
X
WhatsApp
Email
Telegram

مستوى ذكاء العرب ومبادرة ترامب

د. أحمد داود شحروري

الذكاء العربي يضرب به المثل ، والاجتهاد المبني على الذكاء غالبا ما يُصاب بالعين ، وقد قال شاعرهم قديما :

إذا لم يكن عون من الله للفتى

فأول ما يجني عليه اجتهاده

ذلك لأن فقدان العون من الله يضع المرء أمام ذكائه في تحدٍّ وجودي ، أليس ذكاء المتنبي وإعجابه بنفسه هو الذي دعاه أن يقول :

الخيل والليل والبيداء تعرفني

والسيف والرمح والقرطاس والقلم

حتى لقيه خصم فذكّره بما قال ودعاه إلى منازلته فلقي حتفه بسبب “ذكائه” .

لقد اعتمد العرب على ذكائهم حين قرروا أن يتركوا المقاومة وحيدة وألا يستخدموا قدراتهم السياسية والاقتصادية للدفع عن غزة وأهلها ، قال لهم ذكاؤهم : المقاومة ضعيفة ، والعالم كله ضدها ، فمن وقف في صفها فهو خاسر ، هذا من جهة ، ومن جهة أخرى فإن المقاومة إذا انتصرت في غزة طمع في العروش العربية أنصار المقاومة في العالم العربي ، فخير سبيل للخلاص من تهديدها الداخلي أن يخلّى بينها وبين عدوها ليريحنا من شرورها في المحصلة ، الذكاء العربي قاد أصحابه إلى غرفة مغلقة في نيويورك حدّد فيها الرجل الأصفر ما يريد تماما في المنطقة وما يريده من سادة المنطقة ، وفي الوقت الذي كان يستجدي الذكاءُ العربي السلام من اليهود  عمد الأصفر إلى الالتفاف على هذا الذكاء  فجعل إرادة المحتل فوق كل إرادة ، وهو لم يكن محتاجا إلى أن يقول في اجتماعه المغلق قولا ثم يرجع عنه ، فهو بغبائه متفوق على ذكائنا طالما لم يقدنا ذكاؤنا يوما إلى مخالفته وفعل ما يصلح حالنا وحال شعوبنا ولو مرة واحدة شبيهة بما عليه حالنا اليوم من سوقنا إلى بيت الطاعة واعتبارنا آبقين إن لم نستجب . ولا أرى أدلّ على ادعائي ذكاء العرب من حال سلطة أوسلو التي نكلت بالشعب وتجسست على نيته المقاومة وعذبته في سجون تدرب رعاتها على البطش في كل وكر عالمي برع بالبطش ، نسقت أمنيا مع الصهاينة وكانت تخرج من المكان لتمكن عدونا من دخوله وقتل أبنائنا أو اعتقالهم ، ثم كانت عاقبتها أن تضرب بكسرية أقدم من كسريّة عتال غلبان يعمل في سوق السكّر  ، ويُكفر بكل جهدها ، لتعود تؤدي المزيد من فروض الولاء إن كان ثمة مزيد ، حتى آخر جاسوس فيها .

هل يرضى الذكاء العربي بنزع سلاح المقاومة ؟ الجواب نعم ، بل هو طلبٌ أثير عندهم ، هم الذين طالما خافوا من طول أظافر المقاومة وأصرّوا ألا يسمعوا تأكيدها بأنها غير معنية بفتح أي جبهة خارج جبهتها في فلسطين ضد المحتلين ، أصرّ الذكاء العربي على إنكار دور المقاومة في الدفاع عن الكبرياء العربي وتأمين الأنظمة العربية من تغوّل الصهاينة في المنطقة ، وها هو الذكاء العربي وجها لوجه مع أطماع الصهاينة وخططهم التي بدأوا تنفيذها في الضفة وسورية ، وأعلنوا عن قرب تنفيذها في غور الأردن ، هذا كله إلى جانب ما تراه عيون العربي الذكي من بدء لتنفيذ المخطط اللعين في اجتياح غزة المدينة وتهجير أهلها وملئها بالمستوطنات الفارهة المستفيدة من إطلالتها على بحر غزة ، وليت الذكاء العربي يصل إلى فهم النتيجة الحتمية لتسليم سلاح المقاومة ، وأن ذلك يعني انكشاف ظهر الجميع ، وخسارة ورقة العين الحمراء التي شلّت إرادة المحتل وأعطبت دباباته وعيّشته في رعب لا ينتهي  ، لكن برغم ذلك يُسمع من داخل البيت العربي قول المتوجسين رعبا من المقاومة  : (فخّار يكسّر بعضه ، عليّ وعلى أعدائي ). ويحك أيها الذكاء العربي لقد ألهمتني حقا مثَلا لم يسبقني أحد قبلي إلى تمثّله : (ومن الذكاء ما قتل) !!

 أما المقاومة فإن نزع سلاحها لن يكون إلا نزع روحها وختام المطاف لتاريخها وإسدال الستار لتغطية كل شرف وناموس يمكن أن تلقى به ربها .

أيها الذكاء العربي المبين ، لقد قام منظّروك على امتداد الأجيال بزرع ثقافة الهزيمة في صفوف العربي الملقّن على الدوام أمثالا شعبية صنَعَ تراكمها في وجدانه الجريح هزيمة ثابتة ، بل جعلها دما يجري في عروق البسطاء ، من قبيل :”كف ما بقاتل مخرز” ، “مية عين تبكي ولا عين أمي تبكي”، “امشِ الحيط الحيط وقول يا رب الستر” ،”إذا مرّيت على قوم يعبدون العجل حِش واطعمه” ، “إنت جاي تقيم الدين بمالطا؟” ، العين بصيرة واليد قصيرة” !!!

وآخر فصول الذكاء العربي يكمن في تكميم أفواه من يُخشى أن يتمتع بذكاء يكشف حقيقة الذكاء المزوّر ، لذلك كان لا بد من رفع الراية الأخيرة من رايات ثقافة الهزيمة ، راية مكتوب عليها بوضوح :

يا قوم لا تتكلموا -إن الكلام محرّمُ

ناموا ولا تستيقظوا-ما فاز إلا النُّوّمُ

Related Posts