عمّان – البوصلة
أكدت المستشارة بشرى عربيات، في سلسلة تصريحاتها التربوية لـ “البوصلة” على أنّه لا ينقصنا في هذه الأيام شهادات بل ينقصنا تأهيلٌ للشخصيات والسلوكيات، في معرض الحديث مؤخرًا عن طرح دبلوم لتأهيل المعلمين قبل الالتحاق بهنة التعليم، مطالبةً في الوقت ذاته بضرورة تأهيل من يرغبون للانخراط في مهنة التعليم خلال المرحلة الجامعية لأنَّ من يريد أن يكون معلماً يتدرب وهو على مقاعد الدراسة.
وقالت عربيات: مما لا شكَّ فيه أنَّ هناك كثيراً من المتغيِّرات التي طرأَت على التعليم، لكن للأسف هناك تراجعٌ ملحوظ في مستوى التربية والتعليم على حدٍّ سواء، وأسباب ذلك كثيرة ومعروفة لدى معظم من يريد أن يقول حقيقة الأمر، من هذه الأسباب عدم وجود قدوة سواء داخل الأسرة أو في المدارس، إضافةً إلى التأثيرات السَّلبية لما يسمى بوسائل التواصل ” الإفتراضي” – والتي يقولون أنها وسائل تواصل إجتماعي – إضافةً إلى الإستخدام الخاطئ للتكنولوجيا، الأمر الذي أدَّى إلى تراجعٍ ملحوظ في التربية، فماذا عن التعليم؟
غياب القدوات
وشددت على أنَّ غياب القدوات في السَّاحة التربوية والتعليمية كان له الأثر الأكبر في تراجع التعليم، لأنَّ معظم الموجودين في السَّاحة التعليمية لم يختاروا مهنة التعليم، بل إنَّ مهنة التعليم اختارتهم، ولو عرفت مهنة التعليم ما نوعية الأشخاص الذين اخترقوا قدسية التعليم، لما اختارتهم، ولكن كيف اختارتهم؟ ولماذا؟ بالتأكيد أنَّ أهم سبب لذلك هو عدم وجود فرصة عملٍ أُخرى من جهة، ومن جهةٍ أُخرى وجود العطل الرسمية للمعلمين والمعلمات مقارنةً بأي وظيفة أُخرى، فهناك عطلة ما بين الفصلين، إضافة إلى العطلة الصَّيفية، ناهيك عن عطلة نهاية الأسبوع!
واستدركت عربيات بالقول: هذا ليس بجديدٍ، لكن الجديد هو تغيُّر كبير طرأَ على النفوس التي تدخل سلك التعليم، خصوصاً في حالة عدم وجود رغبة في امتهان مهنة التعليم، لذلك سمعنا مؤخراً عن طرح دبلوم لتأهيل المعلمين قبل الإلتحاق بالمهنة، وقرأنا أنه ستكون أولوية التعيين في مدارس القطاع الحكومي لمن يحصل على شهادة دبلوم التأهيل المشار إليه، والسؤال هو هل تنقصنا شهادات أم ينقصنا تأهيلٌ للشخصيات والسلوكيات؟ وماذا عن مدارس القطاع الخاص التي لا تشترط دبلوم التأهيل هذا؟ بل إنَّ هناك كثير من المدارس الخاصَّة التي تختار من لا يمتلكون أي خبرة مقابل رواتب متدنيَّة، بالتالي لا تهتم بتأهيل هؤلاء المعلمين والمعلمات.
وتابعت حديثها: بالتأكيد لستُ ضد فكرة تأهيل المعلمين والمعلمات قبل دخول الغرف الصَّفيَّة ولكن هذا لا يكفي، بل يجب أن تكون هناك دورات لتأهيل المعلمين والمعلمات في مجال مهارات التواصل مع الطلبة داخل الغرفة الصَّفية، حتى نتخلَّص من كثيرٍ من الأساليب الغير تربوية في التعامل مع الطلبة، منها التنمُّر على بعض الطلبة والتمييز بينهم، ناسين أو متناسين أن فئة الطلبة في مرحلة تشكيل الشخصية والتي تتأثرُ سلباً أو إيجاباً بالمعلمين والمعلمات، للأسف لم أسمع عن أي دورة تدريبية تتعلق بمهارات التواصل مع الطلبة حتى يومنا هذا!

اتساع الفجوة
ولفتت المستشارة التربوية إلى أنّه لو أردنا عقد مقارنة بين من علَّمونا، ومن علَّموا أبناءنا، لوجدنا فجوةً واسعةً في كثير من الأمور، أهمها الإخلاص في العمل وبذل الجهد الكافي في إيصال المعلومات – مهما بلغت صعوبة المبحث – إضافة إلى عدم التمييز بين الطلبة، وعدم دفع الطلبة للمراكز أو الدروس الخصوصية واستخدام الدوسيهات، لذلك ما نزال نتذكر من علَّمونا بكل الخير، تلك الفئة فقط التي تستحق قول الشاعر: قم للمعلِّم، وفِّهِ التبجيلا.
واستدرك بالقول: لكن للأسف معظم الموجودين على السَّاحة الآن – بدون تعميم – تجَّار للتعليم، ومندوبي مبيعات لكثيرٍ من الجهات، فكيف يمكن تأهيلهم؟ حتى لو حصل البعض منهم على شهادة تأهيل، ما الذي سيتغير؟ لا شيء!!
تدريب خلال المرحلة الجامعية
وقالت عربيات: طالما نتحدثُ عن التغيير والتطوير في مجال التربية والتعليم، أقترح أن يبدأ التدريب داخل الجامعات وقبل التخرُّج، كيف ذلك؟ أقترح وجود مبحث تحت عنوان التربية العملية، بحيث يداوم الطالب فصلاً دراسياً كاملاً في مدرسة ويتم تقييمه من خلال مشرف المبحث داخل الجامعة، ومن خلال إدارة المدرسة، بحيث يكون التقييم سرِّياً ويتم المقارنة بينهما، بالتالي نتخلص من فكرة من تختارهم المهنة، لأنَّ من يريد أن يكون معلماً يتدرب وهو على مقاعد الدراسة، بعد ذلك يتم عقد إمتحان قبولهم في سلك التعليم، بحيث تشرف الوزارة على هذا الإمتحان، وكذلك الأمر إدارة التعليم الخاص لمعلمي القطاع الخاص، إنَّ هذا المبحث – التربية العملية – كفيلٌ بفرز من هم مقبلين على المهنة برغبة في حال الإلتزام بدوام المدرسة مع دوام الجامعة، لأنَّ من لا يرغب في مهنة التعليم سوف يعتبر هذا عبئاً ثقيلاً، وسوف لن يختار المهنة – أو بالأحرى لن تختاره مهنة التعليم – بالتالي نختزل أعداداً كبيرة ممن سيكونوا عبئاً على العملية التعليمية، لكن فكرة الدبلوم لن تضيفَ شيئاً لمن لا يرغب في التعليم
وأضاف بالقول: أيضاً الفرق ما بين الأمس واليوم في موضوع التوقيت الصَّيفي والشتوي – إذ تمَّ تثبيت التوقيت الصيفي منذ سنواتٍ ليست بالبعيدة – هذا الوضع باتَ مقلقاً على العملية التعليمية من ناحيتين،الأولى إختزال مدة الحصص، الأمرُ الذي يدفع بعملية التعليم للتراجع إلى الخلف ، والثانية الظلم الواقع على طلبة الفترتين من ناحية تقليص مدة الحصة أكثر من مدارس الفترة الواحدة، إضافة إلى الطلبة الذين يغادرون مدارسهم مشياً على الأقدام في وقتٍ يكادُ يقترب من ساعة الغروب – وربما وقت الغروب في حالة المسافات البعيدة – فما الذي تغيَّر بين الأمس واليوم؟ حيث لم تتغير الفصول، ولم تتغير أوضاع الناس المعيشيَّة، ولم نتخلَّص من مدارس الفترتين نتيجة الإكتظاظ في الصفوف، لذلك أتمنى أن يعاد النظر في عملية تثبيت التوقيت هذه!
هل يرفع دبلوم التأهيل مستوى القادة التربويين؟
وأوضح أنّ الفرقُ شاسعٌ وكبيرٌ ما بين الأمس واليوم، فلو استوقفت طالباً هذه الأيام وسألته عن إسم مدرسته أو إسم من يعلِّمه لتعثَّر في الإجابة، ولا أقول هذا من فراغ لأني شخصياً أستوقف البعض، أسألُ الطلبة في الشارع، ولا أجد إجابة، وأستغرب من هذه الردود التي لا تشيرُ إلى الرَّغبة في التعلُّم، ولا تشيرُ إلى الإنتماء للحرم المدرسي، وهذه مؤشرات مقلقة، والسبب الرئيسي يعود إلى عدم وجود قادة تربويين حقيقيين داخل المدرسة سواء معلمين أو مدراء، فهل يا ترى دبلوم التأهيل هذا سيرفع من مستوى هؤلاء القادة التربويين؟ نأمل ذلك، لكني لا أعتقد هذا أبداً!
وأكدت عربيات أنّ الفرقُ شاسعٌ بين الأمس واليوم، لأنك ترى وتسمع التذمُّر من معلِّمي ومعلمات هذه الأيام، مقارنةً بمعلِّمي ومعلمات الزَّمن الجميل، فهل يا ترى سيرفعُ دبلوم التأهيل هذا من مستوى الدَّافعية لديهم؟ لا أعتقد، علماً بأن رواتب معلِّمي ومعلمات الزَّمن الجميل كانت متدنية مقارنةً بهذه الأيام، لم يكونوا يمتلكون سيارات، وكانت المواصلات صعبة – صيفاً وشتاءً – ومع ذلك لم نرى التذمُّر على وجوههم، فيا ليت الزمن يعود لأصالته وتعود النفوس الطَّيبة، لعلنا ننقذ الأجيال الحالية والقادمة.
(البوصلة)



