عمّان – رائد صبيح
أكد أستاذ علم الاجتماع بجامعة مؤتة الدكتور حسين محادين في تصريحاته لـ “البوصلة” على ضرورة أن لا تخدش صورة المعلم في بلدنا ومحاسبة كلّ من يفكر بالمساس بهيبة المعلم أو النظام التربوي والتعليمي باعتباره موردًا بشريًا واقتصاديًا هامّا يجب المحافظة عليه.
وفي تعليقه على حادثة الاعتداء على أحد المعلمين بإحدى مدارس عمّان، قال محادين: من الواضح أنّ حادثة بهذا الحجم وبهذه الدلالات البصرية التي اخترقت الفضاء بصورة سريعة، إنّما تؤشر على هشاشة النظم التربوية وتأثيرها على سلوكات بعض الأشخاص، ولعلّ الأسبق من ذلك هشاشة التربية الأسرية، التي يفترض أن تعلم الأبناء الآداب العامّة، من المسموح فيه والمنهي عنه.
ونبّه بالقول: أنّ مثل هذه الممارسة تدلّ على أنّ البيئة الدراسية سواءً في المدرسة أو غيرها، إنّما تعاني من اختلال، بحاجة إلى تصويب، إذ لا يعقل بعد كل هذا المستوى المرتفع من تعليم أبنائنا في الأردن والسمعة التربوية المشرفة للنظام التعليمي، أن يخدش بهذه الجرأة التي تمثل اختراقًا لمنظومة القيم أولاً، ولمكانة المدرس التي تصف المعلمين والعلماء كما قال الرسول الكريم بأنهم ورثة الأنبياء.
وأوضح محادين:فعندما يعتدى على هذه المنظومة المتكاملة من الأخلاق والعصارة التربوية الهامّة في مسيرة الأردن الذي بني من بداياته على الخلق والتسامح وعلى دور المعلمين كواحدة من أركان بناء المجتمع، من أن يساء لهم.
الأخطر من ذلك، هو أيضًا، أن تدخل أولياء الأمور واعتبار أنّ أبناءهم دائما على حق، إنما هو خطأ مضاف لما شاهدناه.
هل المجتمعات التي لا تحترم المعلم يمكن أن تنهض؟
وشدد على أنّ الأهم من وجهة نظره، هو ضرورة إذكاء السؤال المفصلي، ومفاده: هل المجتمعات التي لا تحترم المعلم يمكن أن تنهض؟ وهل عمل الخير الذي قام به هذا المعلم يمكن وما ترتب عليه من سلوكات خاطئة أن يشجع الآخرين على سعيهم لفضّ أي نزاع، سواء كان في حدود المدرسة أو خارج أسوارها، والأهمّ أيضًا وكلها مهمة باعتقادي، هل النظام التربوي الذي نعتز به ونمتلك نوعًا عميًا من الممنونية له بأنّه علمنا وأعطانا فرص الانتقال من مرحلة الجهل إلى مرحلة العلم كفريضة، يمكن أن يكون حازمًا؟
وقال محادين: نحن نثق بقضائنا الأردني بلا شك، ولكن أعتقد أنّ هذه الممارسة بحاجة لإعادة نظر في فلسفة وسلوكات الأشخاص، والقول أيضًا بأنّ الآباء عندما يتصرفون بذلك، إنّما يخلقون إنموذجًا غير محبب تجاه قيمة المعلم، والأب أيضًا الذي يمثل أنموذجًا كما يفترض إنّما هو خدش صورة الأبوة والأبناء.
واستدرك قائلا: نعود مرة أخرى، لنؤكد أنّ المؤسسة التربوية سواء الجامعة بعد الانتخابات وأثنائها للأسف، والمدرس، وبعض المدارس تحديدًا وما يجري بها من مشاجرات كلها تدل على أنّ التعليم بمعناه الحفظي ليس كافيًا لتروض أي سلوك عدواني، أو أي شكل من أشكال التنمّر إلى الطريقة السوية.
وشدد على أنه يجب على كل مؤسسات المجتمع المرجعية بدءأ من الأسرة مرورًا بالمدرسة وليس انتهاء في المسجد والكنيسة والإعلام، أن يكونوا صفًا واحدًا للحفاظ على الدين المحبب الذي منحه أساتذتنا لنا من جهة، وإلى الصورة الأردنية المشرقة عن التعليم والمعلمين.
سلوك مرفوض ومجرم قانونا
وقال محادين: أعتقد أنّ هذا السلوك ليس مرفوضًا فحسب، بل هو مجرم في القانون، وعلينا الوقوف مع المعلمين لأنهم أساتذتنا، وبالضد من الخطأ أيّا كان مصدره، طالبًا كان أو أيّ شخصٍ في الشارع.
وأضاف أنّ المعلمين خميرة الأمّة وهم موجهو السلوك لنا جميعًا ولعلّ فيهم كقدوة في التعليم والخلق والانضباط كلها من السمات التي يجب أن نعمقها ونعززها.
ولفت من جانب آخر إلى أنّ المجتمع الأردني بطبيعته مجتمع متسامح يرفض مثل هذه السلوكات لكنه يؤكد على أن يكون القانون هو الفيصل من جهة، ومن جهة متممة أن تقوم المؤسسات التربوية والمرجعية التي ذكرت بادوارها في استمرار التنوير والتوعية والتوجيه بما يحفظ كرامة الإنسان سواءً كان معلمًا أو غير معلم.
وقف تداول الفيديو المسيء ضرورة
وقال محادين: نحن على عدد من المشاهد التي لا ترضي تربيتنا الحقيقية كأردنيين، ونفسها هذه المشاهد المؤلمة التي وجدناها أحيانًا بين طلبة الجامعات بعيد ظهور نتائج الانتخابات، وفي المدرسة بهذا المشهد المؤلم الذي رأيناه، إنّما تمثل كلها تلوثًا أخلاقيًا وبصريًا، يجب وضعٍ حدٍ له، شعبيًا ورسميًا، ولا شك أنّ القضاء العادل هو الذي سيكون الفيصل في إحقاق الحق مرة تلو أخرى، فالمجد كل المجد لأساتذتنا، ونحن جميعًا بصف المعلمين والمدرسين لأنّهم الأصل والقدوة التي نحتذي بها دائما.
وأكد أنّه لا بد من التذكير بأنّ وسائل التواصل الاجتماعي يمكن أن توظف باتجاهٍ إيجابيٍ، قائمٍ على نقل الخبرات والمعارف، لكن نشر مثل هذا الفيديو، إنّما يسيء لنا جميعًا.
وأضاف محادين بالقول: ما أتمنّاه هو وقف نشر هذا الفيديو، والعمل كلٌ من زاويته، وحرصنا الجمعي كأردنيين أن لا تُخدش صورة المعلم في بلدنا، لأنّ التعليم بالنسبة لنا أحد الموارد البشرية والاقتصادية المهمة، وأشقاؤنا في الوطن العربي يثقون بنا وبمؤسساتنا التعليمية، ونحافظ على هذه المنجزات، بالإضافة لمنجزات الوطن.
وشدد على أنّه يجب علينا أن نسعى جميعًا لوضع حدٍ لمثل هذه الممارسات المدانة أدبًا وخلقاً وقانونًا.
وختم محادين حديثه بتوجيه رسالة بالغة الأهمية: أنه برغم الذي حصل علينا أن نؤكد أن المعلمين سيبقون إنموذجًا مميزًا وهّاجًا في حياة الأردنيين، قد تحدث بعض الممارسات الخاطئة هنا وهناك لكنّها لا يمكن أن تُعمم فالأردنيون منحازون دائما إلى أساتذتهم لأنها جزء من قيمهم الدينية والحياتية الأشمل.
(البوصلة)



