أحمد عبد القادر – البوصلة
المشفى مستراح المرضى، وأمان المصاب والمكلوم، لا يؤمّه إلا مضطر أو محتاج إليه، من رجال ونساء وأطفال وشيوخ مرضى وزمنى ومصابين، يرعاهم أطباء وممرضون ومعالجون صحيّون، وتخدمهم كوادر مساعدة.
في غزّة أغلب من في المستشفيات جلبوا على غير معرفة أو إرادة منهم؛ إذ استهدفوا قصفاً في منازلهم أو مدارسهم أو خيامهم أو أسواقهم أو طرقاتهم أو قل في كل مكان من أرض القطاع، فوجدوا جراحهم نازفة، أو أوصالهم مقطعة، أو جلودهم محرّقة، محمولين على سيارة أو كارّة أو على الأكتاف إلى مشفى.
كلّ غزّة مصاب إنسانها وحيوانها وشجرها وبنيانها، إلا أنّ بعض الكلّ نصيبه من الإجرام والهدم أكبر من غيره.
“كمال عدوان” الذي أنشئ قبل اثنتين وعشرين سنة، ليخدم أهالي شمال غزّة، بعد ما تعرّض له الفلسطينيّون عقب الانتفاضة الثانية، وكان في أصله عيادة، هو شقيق مجمّع الشفاء في الحصار والاستهداف، وآخذ اسمه من كمال عدوان، ابن عسقلان، وأحد قادة منظمة التحرير، الذي نزح إلى القطاع، ثمّ اغتاله الاحتلال في عملية فردان الشهيرة في بيروت قبل إحدى وخمسين سنة.
ذو مبان أربعة، وفيه نحو مئة سرير، أحد أكبر مستشفيات القطاع، يقع في بيت لاهيا، ذات الأحياء الاثنا عشر، التي مرّ عليها البيزنطيون والفاطميون طارئين، وكانت ممر الأيوبيين وحكم فيها المماليك والعثمانيين.
في الحرب على غزّة، أسهم -رغم طويل حصاره- في معالجة الجرحى وتطبيب المرضى، وأضحت مناشدات عامليه شواهد إدانة على عالم أعمى، حاله بين والغ أو متواطئ أو عاجز؛ إذ رأى الجميع موت الأطفال لسوء الغذاء وانتشار الجثث في الطرقات، وقصف آليات الدفاع المدني، وحرمان الطعام، وانتشار المرض لفراغ اللقاحات، واستشهاد الجرحى لقلة الإمكانيّات، ونفاذ الأدوية، والحرمان من الماء الصالحة للشرب، ومنع وصول المحروقات، واقتحام المستشفى، واعتقال مرضاه، والتنكيل بكوادره واعتقالهم، ومنعهم من الحركة بين الأقسام، وقصف أرجائه، وتدمير محتوياته وآلياته.
أقبح من الاحتلال رواياته المختلقة عن المستشفى، لكن رغم قسوة المعاناة وشدة الحرب، إلا أنّ الاحتلال زائل لا محالة، وسيبقى أبو صفيّة خالداً في وعينا، وسيظلّ ثباته ودفنه لابنه عميقاً في خلدنا، وستظل معاطف العاملين البيض أزهى ما لبسوا طهارة ونقاء وصفاء، وستزيد من سواد العالم وتفضح سوأته.
سيندثر الاحتلال، وستفشل خطة جنرالاته، وسيظل الشمال كالوسط والجنوب صامداً، ولا يزال الغزيون صامدين في أرضهم، لا يعرفون التهجير عنها، ولا يتنازلون عن حقوقهم، ولا يزالون على الدين ظاهرين، ولعدوهم قاهرين، لا يضرهم من خالفهم إلا ما أصابهم من لأواء؛ فانتظروا أمر الله وأنتم كذلك، فهو ناصركم، ومخزي عدوكم.

البوصلة



