عمّان – البوصلة
قالت المستشارة التربوية بشرى عربيات في سلسلة مقالاتها التربوية لـ “البوصلة“: كثيرةٌ هي المشاهد التي دفعتني لكتابة هذا الموضوع، ولعلَّ أهم سبب هو دفاع البعض عن “التكنولوجيا ” دفاعاً مستميتاً!! لستُ ضدَّ استخدام التكنولوجيا في حياتنا اليومية بالتأكيد، لأنها أصبحت جزءاً من حياتنا شئنا أم أبَينا، لكني ضدّ الإستخدام الخاطئ للوسائل التكنولوجية بشكلٍ يؤدي إلى حدوث كوارث في كثيرٍ من الأحيان، لذلك رأيتُ أنه لا يمكن الجمع بين التِّيه والتركيز بأيِّ حالٍ من الأحوال، نتفق أم نختلف، لكن هذا هو الواقع
وتابعت عربيات بالقول: سوف أبدأ بالحديث عن مشهدٍ متكرر يومياً في شوارعنا، وهو استخدام الهاتف الخلوي أثناء قيادة السيارة، سواءً للحديث أو لإرسال رسائل، حيث أرى شخصياً كيف يتصرَّف السائق الذي أمامي – أو في أي اتجاه – بطريقة تؤكد على أنه في حالة “تيه” ولا يدرك ما يدور حوله، فهذا يقف عند الإشارة الضوئية ويعتبرها فرصة لإرسال رسائل، وتصبح الإشارة خضراء وهو لا يعلم – لأن التركيز عنده أقل من الصِّفر – حتى أنه لا يدرك أن هناك سيارات خلفه تنتظر أن يتحرك، وذاك يتناول كوب القهوة أو الشاي في يدٍ، والسيجارة في اليد الأخرى، وفي المقابل تجد أن السيارة تسيرُ وحدَها!! وآخر يغيِّرُ المسرب فجأة وكأنه لا يعرفُ ولم يخطِّط إلى أين يذهب!! وذاك أو تلك يمشون في الشارع يتحدثون بالموبايل، يعبرون بين السيارات، ولا يدركون مخاطر ذلك نتيجة حالة من التِّيه وعدم التركيز – وكأنَّهم يعقدون صفقة بمليون دينار في هذه المكالمة – حقاً إنه أمرٌ لا يطاق!!
وأشارت إلى أنّ هناك حالة من التِّيه في شوارعنا، تتمثَّلُ في الأمُّ التي تصطحبُ أطفالها دون أن تمسكَ بأيديهم، لأنها مشغولةٌ باتصال هاتفي أو إرسال رسائل عبر الهاتف الخلوي أو ربما ترى الأب أو الأم – دون استثناء – يمسك بيد طفله لكن يكون الطفل من جهة الشارع، متعرضاً لمخاطر السيارات والدَّراجات!! في المقابل ترى من يرافق كلباً – رجلٌ أو امرأة – يمسك به بقوة حتى لا يفلتَ منه!! تُرى من الأهم الطفل أم الكلب؟ مجرد سؤال إستنكاري!!
وتابعت الخبيرة التربوية بالقول: أضف إلى ذلك بعض سائقي الدَّرَّاجات – لأيِّ سببٍ كان – ويستخدمون الهاتف الخلوي، ويعبرون بين السيارات – دون استئذان – بطريقة مفاجئة، مما يعرِّض الجميع للخطر، أيُّ تيهٍ وصلنا إليه؟؟
ونوهت إلى أنّ هناك حالةٌ مستحدثةٌ من التِّيهِ وعدمِ التركيز، نتيجة الإستخدام الخاطئ للتكنولوجيا وهي استخدام ” سمَّاعات بلوتوث” بشكلٍ دائم، الأمرُ الذي يجعلُ من يستخدمها في عالمٍ آخر، لأنه قد يكون يتحدث مكالمةً هاتفيةً من خلالها، أو يستمع إلى أغاني أو أي شيء عبر الإنترنت – المتوفر 24 ساعة – للأسف الشديد، الأمرُ الذي يجعلُهُ في حالةِ تيهٍ مستمر!!
من جانب آخر قالت عربيات: Crazy Driver.. الكلمات التي تعني بالعربية” السائق مجنون” تكون مكتوبة على زجاج السيارة الخلفي، هذا المشهد رأيتُه بنفسي على إحدى السيارات – الحديثة – والتي يقودها شابٌ – متهوِّر – يتجاوز السيارات داخل وخارج نفق في العاصمة عمَّان بطريقة لا تشيرُ أبداً إلى أدنى درجات التركيز، هذا الشخص لا يؤذي نفسَهُ فقط، بل إنه قد يتسبَّبُ في كوارث لا تُحمَد عقباها، هذا من ناحية، ومن ناحيةٍ أُخرى هناك كثيرٌ من فئة الشباب والفتيات يشاهدون هذه المشاهد، ويحسبون أنَّ هذا نوعٌ من فنون القيادة!!
وتابعت بالقول: كنتُ قد ذكرتُ في أحد المقالات عن إستخدام الرصيف كمسربٍ جديد خصوصاً في شارع الجاردنز الذي لا توجد فيه حوافّ للأرصفة، ناهيك عمَّن يدخل إلى محطة تعبئة وقود لاختصار الوقوف على إشارة ضوئية، هذه ليست حالة من التِّيه فقط، بل إنها حالة غير مسبوقة من الفوضى، إضافة إلى عدم التركيز، إضافةً إلى مشهد متكرر في أماكن التسوق حيث يضع الأبُ أو الأم طفله في عربة التسوُّق وهو يلهو في الموبايل بعيداً عن الطفل، حتى أني تساءلتُ مراراً لمن هذا الطفل؟ ورأيتُ والده أو والدته في عالمٍ آخر يقومون بإرسال رسائل أو ما شابه!!
واستدركت الخبيرة التربوية بالقول: لا بدَّ من الإشارة إلى استخدام الهاتف الخلوي داخل الغرف الصَّفيَّة سواءً في المدارس الحكومية أو الخاصَّة، وسواءً كانوا طلبة أو معلمين، وكذلك الأمر في الجامعات!! أيُّ حالةٍ من التِّيه وعدم التركيز نعيش؟ وعن أي عملية تعليم نتحدث، والمعلم أو المعلمة يتابعون رسائل الواتس داخل الغرفة الصفِّيَّة – وكذلك الطلبة – أرى أنَّ هذا خرقاً واضحاً للعملية التعليمية سواءً من المعلم أو الطالب ، وأتساءل هنا عن دور الإدارات في المدارس في متابعة هذه الخروقات، أم أنهم ربما يكونوا مشغولين في هواتفهم أيضاً؟ هذه الحالة من التِّيه في العملية التعليمية ستكون لها نتائج كارثيَّة على مخرجات التعليم،وعلى شخصية الطالب،لأنَّ أقصى طموح لديهم سيكون متابعة رسالة أو فيديو أو ما شابه عبر هذا الهاتف، بالتالي يؤكد حالة التِّيه وعدم التركيز هذه، كما يؤكِّد الإستخدام الخاطئ لوسائل التكنولوجيا
وأكدت أنّه لا يقفُ الأمر عند هذا الحدّ، بل يتعدَّى ذلك للأسرة داخل البيت، إذ فجأة، ينادي الأب مذعوراً على أحد أبنائه لأن الفيديو الذي يتابعه توقف – لسببٍ ما – وربما يتصِّل به ليأتي بسرعة في حال كان ابنه في العمل، أيُّ حالةٍ من التِّيه نعيش؟ إذ لو كان حدثَ أيُّ أمرٍ طارئ مع أحد أفراد الأسرة لما كان مذعوراً لهذه الدَّرَجة!! تُرى ما الذي وصلنا إليه؟
وأضاف: مشهدٌ آخر كنتُ أعتقدُ أنه مقتصر على النساء فقط اللاتي تستخدم الهاتف الخلوي حتى لو كانت موجودة في أحد الحرمين، لكن يبدو أن هذه العدوى السَّلبية انتقلت إلى الرجال، إذ شاهدتُ ذلك قبل مدَّة من خلال حضوري مؤتمرٍ، المتحدثون يتحدثون لفئةٍ قليلة – ربما تكون في حالة تركيز – والبقية – رجالاً ونساءً – تلهو من خلال استخدام الموبايل سواء رسائل أو تصوير، إضافةً إلى مشهدٍ آخر مثير للقلق والسُّخرية معاً، وهو التحدث في الموبايل – صوت وصورة – داخل أماكن التسوُّق، ترى ألم تعد هناك خصوصية؟ أم أنَّه لا يوجد حياء؟ أعتقد أن الحياء قد انعدم في كثيرٍ من السُّلوكيات التي نراها بشكلٍ مثيرٍ للقلق!
وتساءلت عربيات: ربما يكون هذا التساؤل مشروعاً، ماذا لو لم تكن هناك أجهزة خلويَّة؟ وماذا لو لم يتوفَّر الإنترنت في كل زاوية؟ هل كنَّا سنرى حالة التِّيه هذه؟ ربما يقولُ قائل نعم لأنه لا علاقة للهاتف والإنترنت بذلك، لكن هذه الإجابة خاطئة، لأن هناك دليلٌ صريح وواضح على حالة التِّيه، وهو أن تقولَ الأمُّ أو الأبّ للولد أو البنت: أترك الهاتف واسمع لما أقول!!
وختمت حديثها بالقول: علينا أن نعترفَ بحالةِ التِّيه هذه، وعلينا أن ندرك ما حدث في المجتمع من مخاطر نتيجةً لذلك، وعلينا أن نعترفَ أن تراجع كلاً من منظومة التربية والتعليم والأخلاق كان نتيجة حتمية لسوء استخدام وسائل التكنولوجيا، علينا أن نعترفَ أنَّ هذه المنظومة قد تراجعت نتيجة لحالةٍ لامتناهية من التِّيه وعدم التركيز، لقد تراجعت في البيت والمدرسة والشارع وأماكن التسوُّق والعمل وغيرها!! لذلك علينا جميعاً أن نقرعَ جرس الإنذار لنفيقَ من حالةِ التِّيهِ هذه، لعلَّ وعسى !
(البوصلة)



