إلى فضيلة قاضي القضاة، وإلى فضيلة المفتي، وإلى معالي وزير الأوقاف، وإلى العلماء والخطباء والدعاة، وإلى كل صاحب غيرة ومروءة…
أما آن أن يسمع الناس منكم كلمة تبين الحق، وتدفع الباطل، وتغلق أبواب العبث قبل أن تتحول الفتنة إلى ثقافة، والمنكر إلى قانون، والرذيلة إلى حق يصفق له المصفقون؟
لقد بلغ بنا الحال أن ترتفع أصوات تنادي بتقنين الفاحشة، لا خفية ولا حياء، وكأن القضية ليست في الفاحشة نفسها، بل في عدم الاعتراف بها، وكأن الحرام يتبدل حلالاً إذا غيرنا اسمه، وكأن الرذيلة تصبح فضيلة إذا زينتها الشعارات، وصفقت لها الأقلام.
وهنا لا أملك إلا أن أتساءل: أين أهل العلم؟ وأين أهل الغيرة؟ وأين من ورثوا عن الأنبياء أمانة البيان؟
لقد جاء شاب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «يا رسول الله، ائذن لي بالزنا». فما قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: هذا خيار شخصي، ولا قال: تلك حرية فردية، ولا قال: دع الناس وما اختاروا لأنفسهم، بل خاطب فطرته الحية وقال له: «أترضاه لأمك؟ أترضاه لابنتك؟ أترضاه لأختك؟» فقال: لا والله يا رسول الله. فقال عليه الصلاة والسلام: «ولا الناس يرضونه لأمهاتهم ولا لبناتهم ولا لأخواتهم».
وهنا نسأل أصحاب هذه الدعوات: هل ترضون ذلك لأمهاتكم؟ هل ترضونه لزوجاتكم؟ هل ترضونه لبناتكم؟ فإن كنتم لا ترضونه لبيوتكم، فلماذا ترضونه لبيوت الناس؟ وإن كنتم تستعظمونه إذا اقترب من أعراضكم، فلماذا تزينونه إذا تعلق بأعراض الآخرين؟
أيها العلماء…
إن الناس لا تنتظر منكم الصمت، فالسكوت في مواطن البيان خذلان، والغموض في ساعات الفتنة خذلان، وإن الأمة التي يعلو فيها صوت أهل الباطل، ويخفت فيها صوت أهل الحق، أمة تمشي إلى هاوية لا تدري عنها.
لسنا نخشى على دين الله، فالله حافظ دينه، ولكننا نخشى على أجيال تنشأ وهي تسمع من يمجد الرذيلة، ويطبع مع الفاحشة، ويسمي الانحلال حرية، والحياء تخلفاً، والعفة رجعية.
فيا أهل العلم، تكلموا، فإن الناس تنتظر منكم كلمة حق، وإن المنابر لم تقم للمديح، وإن العمائم لم توضع للزينة، وإن المناصب لا تساوي شيئاً إذا ضاع الدين، وسكت أهله، وخاف حملته.
فإن لم يبق في الأمة من يغضب لله، ومن يبين للناس أن الحلال حلال، والحرام حرام، وأن العفة شرف، وأن الحياء تاج، فسلام على دنيا اختلطت فيها الموازين، وصار المعروف منكراً والمنكر معروفاً.
رحم الله زماناً كان العلماء فيه إذا تكلموا سكت الباطل، وإذا أنكروا ارتدع المفسدون، أما اليوم، فإن الناس لا تنتظر من أهل العلم إلا أن يصدعوا بالحق، فإن لم يفعلوا، فحق للأمة أن تبكي على نفسها، وأن تقول بحسرة وألم:
لقد أصبحت القبور أهون من حياة يضيع فيها الحياء، ويستحي فيها أهل الحق من الجهر بالحق، ويجاهر فيها أهل الباطل بباطلهم.
﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ ۚ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾.



