عمّان – البوصلة
ما طرحته النائب الدكتورة هدى العتوم بشأن واقع المنظومة التعليمية في الأردن، خلال مشاركتها في بودكاست “بوضوح”، يتجاوز حدود النقد البرلماني التقليدي، ليشكل جرس إنذار ورسالة مباشرة إلى أصحاب القرار حول مسار قطاع يمس مستقبل الدولة وهويتها وأمنها الثقافي والاجتماعي.
فالحديث عن منظومة تعليمية مرتبكة ومستهدفة، وفق توصيف العتوم، لا ينحصر في مناهج أو كتب أو قرارات إدارية منفصلة، بل يفتح الباب أمام أسئلة أعمق تتعلق بفلسفة التعليم ذاتها، ومن يضعها، وعلى أي أساس تُبنى، وإلى أي نموذج يراد أن يصل الطالب الأردني.
أولى الرسائل تتمثل في ضرورة وقف حالة التجريب المستمر داخل التعليم؛ فالتغييرات المتلاحقة في نظام التوجيهي، والقرارات المتعلقة ببنية المدارس والتعليم الأساسي، ودمج الوزارات، جميعها تحتاج إلى مراجعة مؤسسية هادئة تقيس النتائج قبل الانتقال إلى تجارب جديدة.
فالتعليم ليس حقلًا صالحًا للقرارات المتسرعة، لأن كلفة الخطأ فيه لا تظهر فورًا، بل قد تمتد سنوات لتنعكس على أجيال كاملة.
أما الرسالة الثانية، فتتعلق بالمنهاج بوصفه قضية سيادة وطنية لا مجرد مادة أكاديمية. تحذير العتوم من تراجع حضور المكون الديني والعروبي والوطني والفلسطيني، ومن تأثير التوصيات والتقارير الخارجية، يضع صانع القرار أمام مسؤولية حماية المرجعية الوطنية للمناهج، فالانفتاح على الخبرات الدولية لا يعني بالضرورة استيراد تصورات الآخرين للهوية والتاريخ والثقافة.
وفي هذا السياق، يصبح من الضروري التمييز بين تطوير المناهج وتجريدها من مضمونها.
إنّ التحديث مطلوب، والمهارات الحديثة ضرورة، والانفتاح على العلوم والتكنولوجيا لا غنى عنه، لكن بناء طالب قادر على المنافسة عالميًا لا يتعارض مع بناء طالب يعرف لغته وتاريخه ودينه وقضيته الوطنية وانتماءه الحضاري.
وتحمل قضية تدخل المؤسسات والتقارير الخارجية رسالة أخرى لأصحاب القرار: الاستفادة من الملاحظات الدولية يجب أن تبقى ضمن إطار الرؤية الوطنية الأردنية، لا أن تتحول إلى مسار ضاغط يعيد تشكيل الذاكرة الثقافية للأجيال. فالمناهج، كما تشير العتوم، ليست صفحات محايدة، وإنما إحدى أهم أدوات تشكيل الوعي العام.
كذلك تثير ملاحظاتها حول ارتفاع كلفة طباعة الكتب وتراجع مستوى القراءة والكتابة واللغة العربية سؤال الكفاءة في إدارة الموارد والنتائج.
فلا قيمة لأي إنفاق متزايد إذا لم ينعكس على تحسن ملموس في التحصيل والمهارات الأساسية للطلبة.
خلاصة رسائل العتوم أن الأردن بحاجة إلى مراجعة وطنية شاملة للتعليم، تشارك فيها المؤسسات الدستورية والخبرات الأكاديمية والتربوية وأولياء الأمور والمعلمون، بعيدًا عن القرارات المفاجئة والتجاذبات الضيقة.
فالرهان الحقيقي ليس على كتاب جديد أو امتحان مختلف، بل على بناء منظومة تعليمية مستقرة، حديثة، ومحصنة بهويتها الوطنية؛ قادرة على إعداد جيل يمتلك أدوات المستقبل دون أن يفقد ذاكرته وبوصلته.
(البوصلة)



