وددت أن أكسر القلم في زمان لم يعد فيه أثر لغير الفعل والثورة والنهوض ، لقد ساد منطق الثعلب ودينه منذ نجح ترامب في انتخابات رئاسة أمريكا ، ولم تنتظر دولتهم العميقة حتى يتسلم مهمته في العشرين من كانون الثاني فأطلقت يده في الأحداث حتى صار يرسل مبعوثيه على غير مثال سابق في الرئاسات الأمريكية مستعجلا تقييف الأحداث على مقاس العم سام ، فكلّ القنابل العملاقة التي أرسلها بايدن لم تفلح في كسب حرب طاحنة على مدى شهور مديدة ، ليأتي الرجل العجيب بفكرة إحلال السلام في العالم ، ولم نستغرق وقتا حتى فهمنا أنه السلام المنشود لدولة إسرائيل ولكل عناصر اللعبة الدولية التي تؤمّن مستقبل الدولة الزنيمة في الحسابات الدولية الثعلبية .
هل أكسر القلم إذاً ؟ لا والله لا يفرح بذلك إيدي كوهين ووكلاؤه في عواصمنا العربية من كُتّاب التدخّل السريع الذين يعيبون على أحرار الأمة الهتاف لمجد فلسطين وأحرارها ويعيروننا برفع أعلامها في زمان يريد عدونا أن ينكّسها رمزا لإسقاطها بالكلية من حسابات دين الثعلب ، ليس هذا مرادهم فحسب ، بل هم يرهبوننا بتهمة التواصل مع الخارج ليظل كل عربي ومسلم غيور حرّ مطوّقا بالحدود المصطنعة التي رسمها العمّ سام ذاته محتاطا ليوم كهذا اليوم ، ولم يكتفِ بحبسنا داخل حدوده اللئيمة المصطنعة ولكنه عبْر عقود خلت سعى لتكون فلسطين شأنا فلسطينيا “داخليا” يمثله عبيد اصطنعهم وجعلهم حراسا لأهدافه وتطلعاته لتهويد الأرض وطرد سكانها الأصليين ، وهذا ما استعجل في إعلانه ترامب وصانعوه حتى قبل بدء دورته الرئاسية .
ولعل الدنيا بأسرها سجلت منذ قدوم ترامب أنه يحاول إدارة المشهد الدولي بمظهرية بلطجية تسعى إلى تخويف حلفائه ليتعظ بهم خصومه ، وتقوم هذه المظهرية على محاولة التغطية على نشوء تعدد في القطبية الدولية التي بدا للعيان استعلان روسيا والصين على رأسها ، أما روسيا فقد بدأ من غير مقدمات يكسر مجاديفها ليقطع عليها طريق الاستحواذ بالمشهد وإدارته عن طريق حربها على أوكرانيا وتعنّتها في المضي بها إلى آخر الطريق الذي رسمته ، فرفع ترامب شعار السلام الذي يريد من ورائه أن يهدَأ الجوّ له للاستحواذ على رئاسة العالم بمقاييسه وليوفر أموال دعم الحرب المهدرة ويعوض ما أنفقه منها بابتزاز أوكرانيا والانقلاب على تحالف خلَفِه معها ، وهكذا استقرّ مجداف سفينة الصراع في يد رجل يحسن التمثيل وهو يهزّئ حليفه على الهواء فيما سمي مؤتمرا صحفيا ليقنع الناس أنه يأطره على السلام أطرا ، وما هي إلا حركات استعراضية لا يهمه فيها من يرتفع أو ينخفض باعتباره متعهد مصارعة سابق .
وللصين مع ترامب قصة أخرى فعَظم الصين قاس يتكون من اقتصاد عملاق لا يحتمل الهزأ ولا المزاح السمج ، ولذلك فإن عليه أن يعدّ العدة قبل أن يفتح ملفها ، وسيختار حربا باردة لا ينفع معها كثير استعراض خشية أن تمسح الأرض بكرامته فهي لا تفهم لغة المزاح، لنرى ما تكشف عنه الأيام القادمة إن كان لهذا المجنون ثمة أيام قادمة .
لن نبتعد عن الساحة الفلسطينية ، وإني لأرجو أن يكون هذا الثعلب “العجوز” يسير في ساحة الحرب عليها إلى حتفه بظلفه ، ففلسطين على مدى قرن مضى من الزمان بقيت على قيد الحياة وفني أعداؤها ، واسألوا عن ذلك شارون إن شئتم ، واسألوا خونة الأمة الذين كتبوا صكّ بيعها ثم مضوا وبقيت فلسطين لنا نرويها بدمائنا ونتحمل لأجلها كل التضييق والتعنيف وحجب الهواء عن رئتينا ، ولن نكلّ أو نمل حتى يكون هواء فلسطين هو آخر ما يدخل هاتين الرئتين ثم نلقى الله مرابطين ثابتين .
لا تخافوا على غزة يا أحرار الأمة فهي دائما تعرف طريقها إلى قصاص عادل من عدوها ، وستبقى غزة بحول الله ويمضي ثعالب المشهد العالمي المريض إلى غير رجعة .



