يؤلم أن تُكتب الكلمات لمن يُفترض أنهم يدركون ما بين السطور، ثم لا تُقرأ على حقيقتها؛ ليس الجميع كذلك، لكن كثيرين يغفلون عن جوهر ما يجري، ويكتفون بسطح الأحداث دون التعمق في دلالاتها.
في سياق الحرب الأخيرة، تبدو الصورة أكثر تعقيداً مما يُروَّج له؛ فالولايات المتحدة لم تربح، وإيران من جهتها أثبتت عنادها، بصرف النظر عن دوافع هذا العناد أو مآلاته. وبين هذين المسارين، تتكشف فجوات كبيرة في فهم المشهد وتحليله.
وقد أظهرت هذه التطورات حقيقة أداء الإعلام العربي، الذي غلبت عليه في كثير من الأحيان النزعة العاطفية على حساب الموضوعية، ما أضعف قدرته على تقديم قراءة متوازنة للأحداث. وفي المقابل، تبرز الحاجة إلى نماذج فكرية أكثر استقلالية وجرأة، على غرار محمد المسفر وعبد الله النفيسي وفايز الدويري، ممن حافظوا على مسافة نقدية بعيداً عن مناخ الخوف أو التماهي.
وفي خضم هذا المشهد، يبرز تساؤل مؤلم: ماذا لو أبدت إيران الصلابة ذاتها في تعاطيها مع قضية غزة، كما فعلت في الدفاع عن قضاياها القُطرية؟ لعل ذلك كان كفيلاً بتجنيب القطاع كثيراً من الدماء والدمار.
كما كشفت الأحداث عن اختلالات عميقة في بعض الأوساط السياسية والإعلامية، حيث فضحت “فتنة المال” و”رهبة المكان” هشاشة بعض المواقف، وأظهرت معادن لم تصمد أمام اختبار الحقيقة.
إن إنكار الواقع المأزوم لا يفضي إلى حله، بل يزيده تعقيداً، ومن يتوارى خلف مبررات الضرورة لتبرير الإخفاق، إنما يكتب نفسه في سجل المضللين، فالتاريخ لا ينسى، ولا يجامل، ولا يغفر بسهولة.
وفي ضوء ما جرى، تبدو الحاجة ملحّة لمراجعة عربية شاملة، تستند إلى حقيقة أن الاعتماد على الخارج لا يجلب إلا مزيداً من الخسارة، وأن الاتكاء على الذات هو الطريق الوحيد لتفادي الانهيار.
ورغم قتامة المشهد، يرى البعض أن ما يحدث ليس سوى مقدمة لتحولات أكبر، وأن مآلات الصراع لم تُحسم بعد، في ظل سجل طويل من الإخفاقات التي لاحقت السياسات الأمريكية في إدارة الحروب.
أما غزة، التي سارع البعض إلى الحكم عليها بالهزيمة تحت وطأة الدمار، فإن ما شهدته – وفق هذا الطرح – قد يكون نقطة تحوّل، أعادت تشكيل موازين المشهد، وكسرت صورة التفوق المطلق، لتبقى الحقيقة معلّقة بانتظار ما ستكشفه الأيام المقبلة.
(البوصلة)
د. أحمد الشحروري



