المحامي عبدالله عبدالهادي الحراحشه
Facebook
X
WhatsApp
Email
Telegram

بكل صراحة واقعًا وقانونًا.. قصة مشروع تعديل قانون الجرائم الإلكترونية

المحامي عبدالله عبدالهادي الحراحشه

كتب المحامي عبدالله الحراحشة

من الواضح للمتابع وكذلك للمجموع الوطني، أنّ السلطة التنفيذية أي الحكومة تتملكها آفاتٌ كثيرةٌ، منها الفشل والإخفاق التنموي والاقتصادي، والأزمات المتراكمة دون أفقٍ للحل، ويلحق بهذه الآفة آفاتٌ أخرى من قبيل ملفات الفساد والتهميش والإقصاء، والاستفراد بالمشهد، وغياب الشراكة المجتمعية والوطنية الحقيقية في الشأن السياسي والاقتصادي والاجتماعي في ظل ازدياد نسب الفقر والبطالة وغلاء الأسعار والضرائب وتآكل الرواتب والمداخيل.

ومن الثابت أيضًا بأنّ الإفلات من العقاب وغياب المساءلة الفاعلة والحقيقية وخاصة في ملفات الفساد الكبرى والمشاريع الفاشلة والتي كبدت الخزينة وبالتالي الوطن والمواطن أثمانًا باهظةً وأضاع أبطالها فرص النهوض والتنمية علينا لا تعوض هو أمرٌ مستقرٌ يقينًا لدى المجموع الوطني حتى وصل الأمر أنّ المقولة السائدة هي أنّ لدينا فسادًا وليس لدينا فاسدين، وتبقى للوطن والمواطن حرية الرأي والتعبير والصحافة والإعلام المتخصص أو الفردي الورقي منه أو عبر الفضاء الإلكتروني بممارسة الرقابة المجتمعية والصحفية (السلطة الرابعة)، ونقد أداء السلطة التنفيذية ومحاولة الحدّ من الفساد والفشل والإقصاء والبطولات الزائفة.

إلاّ أنّ الحكومة وبعض المسؤولين ممّن قد تشار إليهم أصابع النقد أو المسؤولية عن ملفات فساد هنا وهناك، أو تحميلهم مسؤولية مشاريع فاشلة ومتعثرة والذين لم يتحملوا هذه الرقابة الشعبية والإعلامية، ويخشون أن تصل سلطة الرقابة الشعبية والإعلامية إلى احتمالات محاسبة قضائية وقانونية في قادم الأيام، لأجل ذلك بادروا بالضغط والدفع في مشاريع قيود أكثر منها قوانين تمنع وتحد من سلطة الشعب والإعلام بالنقد وإبداء الرأي والتعبير، سواءً عبر الإعلام الورقي أو الفضاء الإلكتروني، فتم (الحمل) بهذا المشروع الذي نتمنّى أن لا يولد حيًا ويسحب أو يُردّ.

ويتضح جليًا لكل مطلع أو متتبع للقواعد القانونية الناظمة للإعلام الورقي أو الإلكتروني وبشتى الوسائل والأدوات في العالم المتحضر ودولة القانون والديمقراطية بأنّه لا تجريم مطلقًا لحالة النقد وإبداء الرأي والتعبير، إذا كان محل المادة الصحفية أو الإعلامية المنشورة بأي وسيلةٍ كانت ورقية أو إلكترونية، هو الحكومة أو أحد القائمين عليها (الموظف العمومي) وبمناسبة عمله أو موقعه الوظيفي، بحيث تمّ رفع الغطاء التجريمي لتمكين الرقابة الشعبية والإعلامية من كشف عوار أو فساد أو فشل الحكومات والموظفين العموميين وانحيازاتهم، وتجاوزاتهم، وصولاً من الرقابة الشعبية والإعلامية إلى المحاسبة والمساءلة السياسية والقضائية والقانونية الفاعلة والناجزة والانتهاء من حالة الإفلات من العقاب بحيث يكون كل مسؤول خاضعًا للمحاسبة ولا أحد فوق القانون، والمحاسبة هي عملية مؤسسية مستدامة تشمل الجميع وتصل إلى مبتغاها، وأنّ رفع حالة التجريم مقصده عدم تعسف السلطة بمن ينقدها لعدم تساوي المراكز القانونية بين السلطة التنفيذية والموظف العمومي، وأشخاص القانون الخاص وهم الأفراد والصحفيين، وتبقى حالة التجريم قائمة عند تساوي المراكز القانونية بين أشخاص القانون الخاص بمعنى: أنّه إذا كانت المادة المنشورة أو الإعلامية أو الصحفية وبأي وسيلة كانت موجهة ضد فرد أو شركة أو جمعية أو نقابة، فإنّ من قام بإسناد هذه المادة يكون خاضعًا لحالة التجريم إذا توافرت شروطها وفق قانون العقوبات، وبذلك تسقط مقولة الابتزاز أو الاعتداء على البيانات الخاصة أو البنكية أو غيرها، وتتهاوى أسس اقتراح هذا القانون.

وعليه، يتضح بشكلٍ جليٍ للكافة بأنّ مشروع قانون الجرائم الإلكترونية والذي دُفع به لمجلس النواب (والانتخابات النيابية على الأبواب) للحدّ أو القضاء على سلطة الشعب والمواطن والصحفي في الرقابة الشعبية والصحفية إعمالاً لحرية الرأي والتعبير والصحافة حتى لا تصل هذه السلطة إلى مسارٍ قانونيٍ وقضائيٍ نهايته المحاسبة لكل فاسدٍ أو فاشلٍ، أو ممارسٍ للمحسوبيات على حساب المصلحة العامّة، والذي يخشى على نفسه من قوس المحاسبة وسلطان القانون والقضاء، ويتأكد هذا المقصد والهدف عند فحص عوار مشروع القانون والذي يخرج عن قواعد المسؤولية الجزائية ونظرياتها القانونية المستقرة، وتغليظ العقوبات وسوأة الجباية الظاهرة للعيان، وخلط سلطة تحريك الشكوى بين الحق الشخصي والحق العام، وقلب أدوار الإثبات وإسقاط مبدأ المشروعية وتعريف الجرائم وأركانها والإطاحة بالسلطة التقديرية للمحاكم بحيث يتجاوز المقصد التشريعي للقانون من الردع العام إلى القمع العام للأسف.

والأمر الأكثر غرابة ودهشة من كل ذلك أنّ من دفع أو حرض على مثل هذه الفكرة لهكذا مشاريع قيود (قوانين) ومن وافقه الرأي، غاب عنهم أنّ الفضاء الإلكتروني تتجاوز قدراته وإمكانياته قدرات أي سلطة أو حكومة بل قد تجاوز حدود القارات.

المطلوب، والمصلحة الوطنية العليا، تقتضي استبعاد ضغوطات من يخشى المحاسبة أو المساءلة، وإنفاذ سيادة حكم القانون، وإطلاق الحريات العامّة، وطرح واستبعاد مشاريع القيود، ومبادرة الحكومة لسحب مشروع قانون الجرائم الإلكترونية والذهاب لمعالجة كل الاختلالات في القوانين الناظمة للحقوق والحريات العامّة.

(البوصلة)

Related Posts