بشرى سليمان عربيات
بشرى سليمان عربيات
Facebook
X
WhatsApp
Email
Telegram

المستشارة التربويَّة بشرى عربيات تكتب: رصيدٌ تحتَ الصِّفر

بشرى سليمان عربيات
بشرى سليمان عربيات

   قد يبدو لقارئ هذا المقال أني أتحدثُ عن الأرصدةِ النقديَّة، وربما تكونُ هذه الأرصدة جزءاً من هذا الموضوع، وحتى لا يذهبُ الفكرُ بعيداً سوف أبدأُ من حكايةِ الطفلِ الذي كان يمتلك حصَّالة من ” الفخَّار” ليضعَ فيها ما تيسَّر من القطع النقدية المعدنية، وعندما تمتلئ يكسرها ويجلسُ يحصي كم جمع من النقود – والتي ربما لا تزيدُ عن دينارين أو ثلاثة – وتطورت الحصّالة لتصبحَ قطعةً معدنية – قد يكون لها قفل ومفتاح – وتستمرُّ الحكاية في توفير عدداً من القطع النقدية، يفرحُ بها الطفل، ويشتري لعبةً أو قطعة ملابس – للعيد – !! هذا النوع من التوفير الذي ربما يكونُ بسيطاً لكنه في مرحلةٍ من مراحل العمر التي كان الأطفالُ يفرحون بها، وقد يعتبرونها إنجازاً كبيراً !

   في السياق ذاته، سمعتُ يوماً عن رجلٍ يفتح لأبنائه وبناته حساب توفير في البنك منذ يوم ولادتهم، ويضع لهم نقوداً في تلك الحسابات، حتى إذا ما بلغ أحدهم الثامنة عشرة من العمر يقوم الوالد بإعطاءهم ما توفَّر لهم من رصيد – أو يفتحُ لهم حساباً بنكياً لذلك المبلغ – وقد تكون هذه فكرة جيدة، لكنها في الوقت نفسه سلاح ذو حدَّين، فقد يكون الأبناء محرومين لمدة ثمانية عشرة عاماً وفجأة يجد أنه يملكُ رصيداً لا بأس به من المال ، وبذلك قد يأخذ هذا المبلغ ويختفي عن الأنظار، وتبدأُ معه رحلة الضَّياع، لذلك أرى أن الأب البخيل الذي يقوم بجمع الأرصدة لأبنائه في البنك قد أخطأَ كثيراً لأنه لم يعمل على توفير أهم الحاجيات لهم قبل ذلك العمر، فليست كل الأفكار فاعلة، وفي المقابل تجد الأب الثريّ – الذي لا يكون بخيلاً – قد وفَّرَ لأبنائه، وقد تعلَّمَ أبناءه كيف يحافظون على الرصيد وكيف يتعاملون معه بحكمة!

   هذه حكايات حقيقية وأعرفُ أشخاصها، وليست من نسج الخيال، لكني ذكرتها في هذا الموضوع لأنها حدثت، وقد تتكرر لذلك رأيت من واجبي نشر الوعي في هذا الجانب، لكني سوف أتحدث اليوم عن أرصدةٍ ما دون الصِّفر في العديد من الجوانب، وأهمها الأخلاق والسلوكيات، المعرفة باللغة العربية، والعقيدة الإسلامية، فقد أصبح المجتمع مليئاً بنماذج يندى لها الجبين،  بعضُ هذه النماذج  لا تمتلكُ أصلاً أرصدة، وبعضها تدنَّت أرصدتها إلى ما دون الصِّفر، فما هي الأسباب التي دفعت بهم إلى هذا المستوى؟

   مما لا شك فيه أن الأسرة نواة المجتمع، لكن عندما ترى الأم والأب لا يمتلكون القدرة على التربية – بل هم يمتلكون القدرة على الإنجاب فقط – عندئذٍ سوف ترى نماذج من الأبناء والبنات هائمين على وجوههم، لا يعرفون لهم هدفاً في هذه الحياة، لتأتي المدارس التي كان من المفروض أن يكونَ لها دوراً تربوياً !! يعملُ معظمها على تدمير ما تبقى من الرصيد التربوي، وذلك لأننا نرى يومياً معلمين ومعلمات أرصدتهم الأخلاقية دون الصفر، فكيف يمكن لهؤلاء أن يكونَ لهم تأثيراً إيجابياً، في زمنٍ غابت فيه القدوات التربوية سواءً في البيت أو المدرسة؟! وعندما يكون المصدر الرئيسي للمعلومات لأجيالٍ هو ما يسمى بالذكاء الإصطناعي والتطبيقات المنتشرة، بحيث يعتمد عليها الطلبة – سواءً كانت المعلومة صحيحة أو خطأ – ولا يدرك المجتمع بأكمله خطورة ما يحدث، من قال لهم أن هذه التطبيقات لا تخطئ؟ ومن قال لهم أن كل المعلومات صحيحة؟ أعرفُ عن قربٍ أن هناك إجابات خاطئة لمسائل في الرياضيات يحصل عليها الطلبة من تلك التطبيقات، كيف لا؟ وهي تحملُ إسماً يليقُ بها وهو ” الذكاء الإصطناعي” ؟؟!!

   على صعيدٍ آخر هناك شبابٌ ذكور، وهناك فتيات وسيدات انخفض رصيدهم السلوكي والأخلاقي إلى ما دون الصفر، من خلال كثير من الممارسات في الشوارع التي يندى لها الجبين، على سبيل المثال لا الحصر، الرجل الذي يلبس شورت قصير في الشارع وأماكن التسوق!! الفتاة أو السيدة التي تغطي جزءاً من شعرها وتترك ما تبقى من الشعر والجسم للمارّة، وهنا لا أستثني بعض الفضائيات التي تقوم بتعيين ( مراسلة صحفية ) تمتلك هذه المواصفات، كما يبدو أن المجتمع بأكمله متآمر على العقيدة الإسلامية، أقول لهذه الفئة أنه لم يجبركم أحدٌ على لبس ما يسمى بغطاء الرأس، وفي المقابل هناك جسد شبه عارٍ؟!! كذلك الشاب أو الرجل الذي يلبس الشورت القصير، ألا يعلم شيئاً عن عورة الرجال؟؟ لكن عذراً هؤلاء ليسو رجالاً، إنهم فقط من فئة الذُّكور !!

   الحديث يطول في تدني الأرصدة الأخلاقية والسلوكية، إضافة إلى الأرصدة اللغوية، بدءاً من الأسرة مروراً بالمدارس التي لا تعمل على تدريس اللغة العربية – وتتباهى بتدريس لغات مختلفة – لنجد أن رصيد الطلبة في اللغة العربية ما دون الصفر؟ فهل يُعقل أن لا يعرف طلبة في مختلف المراحل معنى كلمة ” أحد ” في سورة الإخلاص؟؟ في قوله تعالى ( قل هو الله أحد ) ، إذ أني سمعت من طلبة في مراحل مختلفة – الإبتدائي والثانوي – أن المعنى هو يوم الأحد !!!! وحاشا لله أن أذكر ذلك وأستغفرُ الله على ذلك، لكني ذكرتُ هذا من باب التوعية فقط، ذلك لأن ناقلُ الكفرِ ليس بكافر كما قيل لي، ترى كيف يمكن للطلبة امتلاك رصيداً لغويَّاً ودينيَّاً وهم لا يعرفون أبسط معلومة وهي أن الله عزَّ وجل واحد لا شريك له؟! أرى أن الرصيد ليس فقط تحت الصفر، بل إنه انحدر انحداراً لا مثيل له!!

   ختاماً هناك الكثير من الحلول لنستفيقَ من غفلتنا والجميع يتحمل المسؤولية، الأسرة والمدرسة والمجتمع، لذلك أقترح فحصاً سلوكياً وتربوياً لكل من هم مقبلون على الزواج، ولكل من يريد الإلتحاق في سلك التربية والتعليم ، ولكل من يعمل على وضع المناهج في اللغة العربية والتربية الإسلامية، ذلك لأن ما نسمع عنه من تكريم إحدى المدارس الخاصة بسبب تميزها في تعليم اللغة العربية يضع ألف علامة تساؤل على هذا التميز، لأن ليس كلُّ ما يلمعُ ذهباً !! فإذا عملت هذه المدرسة أو تلك على تقديم نموذج من الطلبة – لا يتجاوز عدد أصابع اليدين – وربما أقل من ذلك، فهذا نموذج لا يعني تميزاً بأي شكل من الأشكال!! لذلك الحذر مطلوب والتنبيه لذلك واجب أخلاقي وتربوي، أكادُ أجزم – دون تعميم – أن الرصيد اللغوي في معظم مدارسنا الحكومية والخاصة ما دون الصفر، كيف لا وقد سمعتُ يوماً كلمة من أحد المسؤولين في حفلِ تكريم – يقول أو تقول – في معنى هذه الآية الكريمة: ” وقفوهم إنهم مسؤولون ” ، أنهم هم مسؤولين في وزارة معينة!! هذا الشخص لا يعرف أن هذه آية من القرآن الكريم!! فلا عجب أن تتدنى الأرصدة اللغوية لأجيال!!

(البوصلة)

Related Posts