أكد العين اللواء المتقاعد عمار القضاة أن مواجهة الفكر المتطرف تتطلب استراتيجية شاملة تجمع بين العمل الأمني والتوعية الفكرية والتربوية، محذرا من تحميل المناهج الدراسية مسؤولية تجنيد بعض الشباب في التنظيمات المتطرفة، أو استغلال الحوادث الأمنية لإثارة الشكوك حول المؤسسات التعليمية والدينية في الأردن.
وقال القضاة لـ حسنى -اليوم الأحد- إن ملف التطرف شديد الحساسية، ويستلزم تشخيصا دقيقا لجميع أبعاده وأسبابه، مشددا على ضرورة التمييز بين تعاليم الدين الإسلامي والفكر التكفيري الذي تتبناه التنظيمات المتطرفة وتوظفه لتبرير العنف وسفك الدماء.
لا يجوز تحميل المناهج الدراسية مسؤولية الفكر التكفيري
وشدد القضاة على أن تناول ملف التطرف يجب أن يستند إلى تشخيص موضوعي، بعيدا عن التعميم وإلقاء المسؤولية على جهات لا تثبت صلتها بالمشكلة، موضحا أن الفكر التكفيري يقوم على تكفير الآخرين وتبرير الاعتداء عليهم بأدلة دينية يجري توظيفها خارج سياقها.
وأضاف أن مواجهة هذا الفكر لا تقتصر على التحذير منه بعد ظهوره، بل تتطلب العمل الاستباقي لكشف أساليب التجنيد، ومتابعة الجهات التي تستهدف الشباب والأحداث، والتعرف إلى الوسائل التي تستخدمها لإقناعهم بتبني أفكار التنظيمات المتطرفة وتنفيذ أجنداتها.
وأكد أن المناهج التي درسها الأردنيون لا يمكن تحميلها مسؤولية انحراف أفراد نحو التطرف لمجرد الاشتباه بتجنيد بعض الطلبة، لافتا إلى أن هذه القضية تستدعي البحث في أساليب الاستقطاب والتأثير التي تستخدمها التنظيمات، بدلا من إطلاق أحكام عامة على المؤسسات التعليمية.
التجنيد الإلكتروني يستهدف الشباب والأحداث
وقال القضاة إن التنظيمات المتطرفة تستغل عواطف الشباب والأحداث، وتوظف وعودا مرتبطة بالجنة والنصر وإقامة دولة وفق تصورها الخاص، لتؤثر في قناعاتهم وتدفعهم إلى تبني أفكارها.
وأوضح أن أساليب الاستقطاب قد تعتمد على التأثير النفسي والفكري المتدرج، مشيرا إلى أن بعض الأفكار قد تبقى داخل الفرد فترة طويلة قبل أن تتحول إلى سلوك عملي، الأمر الذي يجعل اكتشافها أكثر صعوبة من ملاحظة السلوكيات الإجرامية الظاهرة.
ودعا إلى تعزيز الرقابة على المحتوى الذي يتعرض له الأطفال والمراهقون عبر الإنترنت، من دون الاكتفاء بالأساليب التقليدية في التوعية، مؤكدا ضرورة إعداد برامج تناسب أعمارهم وتشرح لهم مخاطر التطرف والإرهاب والمخدرات، وتوضح الفارق بين الالتزام الديني والخطاب الذي يحرض على التكفير والعنف.
وأشار القضاة إلى أن الأسرة تتحمل مسؤولية أساسية في متابعة أبنائها والانتباه إلى التغيرات في سلوكهم وطبيعة تواصلهم الإلكتروني، مع أهمية تعاونها مع الجهات المختصة عند وجود مؤشرات تستدعي القلق.
دعوة إلى مراجعة استراتيجيات مكافحة التطرف
وأكد القضاة الحاجة إلى مراجعة الاستراتيجيات المتعلقة بمكافحة التطرف، بما يضمن الانتقال من رد الفعل بعد وقوع الحوادث إلى الوقاية والتوعية المبكرة، مشددا على أن مواجهة التنظيمات المتطرفة لا يمكن أن تقتصر على الإجراءات الأمنية وحدها.
وقال إن المطلوب إعداد برامج مستمرة تستهدف طلبة المدارس والجامعات، وتتناول قضايا التطرف والمخدرات والوحدة الوطنية بلغة يفهمها الشباب، مع الاستفادة من وسائل الإعلام والمنصات الرقمية والمحتوى المرئي، بما في ذلك أفلام الكرتون والمواد التي يتابعها الأطفال.
وأضاف أن التوعية ينبغي ألا تقتصر على المحاضرات العامة أو الرسائل الموجهة إلى فئات محددة، بل يجب أن تصل إلى الشباب في بيئاتهم المختلفة، وأن تمنحهم القدرة على التمييز بين الخطاب الديني المعتدل والدعوات التي تستغل الدين لتبرير الاعتداء على الآخرين.
وشدد على أهمية أن تكون هذه البرامج جزءا من عمل مؤسسي مستمر، تشارك فيه الجهات التربوية والإعلامية والأسرية، إلى جانب المؤسسات الدينية والأمنية، بما يعزز قدرة المجتمع على مواجهة الفكر المتطرف قبل تحوله إلى سلوك عنيف.
القضاة يستذكر حوادث إرهابية ويحذر من استهداف المدنيين
وتطرق العين عمار القضاة في حديثه لـ حسنى، إلى أحداث سابقة شهدتها المملكة، مستشهدا بهجوم الفحيص، وقال إن التنظيمات المتطرفة تعتمد، بحسب تقديره، على التخطيط المسبق واختيار الأهداف والأوقات والأماكن التي يمكن أن تؤدي إلى سقوط أكبر عدد من الضحايا.
وأضاف أن اختيار أماكن التجمعات ودور العبادة والمناسبات الاجتماعية لتنفيذ الاعتداءات يعكس خطورة هذا الفكر، الذي يستبيح دماء المدنيين ولا يتوقف عند حدود الانتماء الديني أو الاجتماعي للضحايا.
كما استذكر القضاة، من واقع عمله السابق في البحث الجنائي، حالات قال إنها شهدت ارتكاب جرائم عنيفة بحق أفراد من الأسرة بسبب رفضهم أفكارا تكفيرية أو ارتباطهم بأشخاص يتبنونها، محذرا من أن هذا الفكر قد يدفع أتباعه إلى تبرير الاعتداء حتى على أقرب الناس إليهم.
وأشار كذلك إلى أن بعض المنتمين إلى هذه التنظيمات يبررون السرقة والاستيلاء على أموال الآخرين بحجة خدمة أهداف التنظيم، معتبرا أن ذلك يكشف طبيعة الفكر الذي يمنح أتباعه مبررات لارتكاب جرائم متعددة.
دعوة إلى عدم تداول معلومات غير مؤكدة
وفيما يتعلق بالمعلومات المتداولة عن إلقاء القبض على مشتبه بهم على خلفية الحادثة، رفض القضاة التعليق على هذه الأنباء، داعيا إلى انتظار البيانات الرسمية الصادرة عن مديرية الأمن العام والجهات الحكومية المختصة.
وحذر من تداول أخبار غير مؤكدة أو ربط حوادث منفصلة بالاعتداء، موضحا أن المشاجرات أو أصوات إطلاق النار التي قد تقع في بعض المناطق لا تعني بالضرورة ارتباطها بالقضية، وأن نشر مثل هذه الاستنتاجات قد يثير القلق ويؤدي إلى اتهام أشخاص من دون دليل.
ودعا المواطنين الذين يمتلكون معلومات أو لديهم شكوك إلى إيصالها إلى الأجهزة الأمنية، وترك مهمة تقييمها والتحقق منها للجهات المختصة، بدلا من نشرها على منصات التواصل أو توجيه الاتهامات بناء على خلافات شخصية أو استنتاجات غير موثوقة.
القضاة: الحادثة تستدعي حماية الوحدة الوطنية
وشدد القضاة على ضرورة عدم الخلط بين الفكر التكفيري والدين الإسلامي، محذرا من استغلال الحادثة لتشويه العلاقة التاريخية بين المسلمين والمسيحيين في الأردن أو التشكيك في المناهج والمؤسسات الدينية.
وقال إن المجتمع الأردني يشهد على عمق التعايش بين أتباع الديانتين، وإن الروابط الاجتماعية والوطنية التي تجمعهم تشكل أساسا متينا في مواجهة محاولات التحريض والانقسام.
كما دعا إلى الالتفاف حول القيادة الهاشمية ومساندة المؤسسات الرسمية في التعامل مع تداعيات الحادثة، مشيرا إلى التفاعل الرسمي مع ما جرى، ومواقف مؤسسات الدولة التي شددت على رفض الاعتداءات وكل ما يمس الوحدة الوطنية.
وأكد أن مواجهة التطرف تتطلب عملا فكريا وثقافيا موازيا للإجراءات الأمنية، يقوم على تجفيف منابع الخطاب التحريضي، ونشر قيم التسامح والاعتدال، وإشراك الشباب في برامج توعوية تساعدهم على فهم مخاطر التنظيمات المتطرفة وأساليبها في التجنيد.
واختتم القضاة بالتأكيد على أن الفكر التكفيري لا يعترف بالروابط الوطنية أو العشائرية عندما تتعارض مع أوامر التنظيم، محذرا من أن أتباعه قد ينفذون اعتداءات حتى بحق أقاربهم أو أبناء مجتمعاتهم تحت ذريعة دينية، ما يستدعي تعزيز الوعي المجتمعي والوقاية المبكرة.



