عمّان – نبراس الياسوري
في الثالث عشر من تموز من العام 2024 ترجّل أحد أبرز قادة المقاومة الفلسطينية، قائدٌ لم يُر كثيرًا، لكنه كان حاضرًا دومًا في كل مواجهة، يعيش متجاوزاً المقاييس التقليدية للقيادة، وتسبقه إنجازاته قبل أن يتولى إلى الظل.
عاش محمد دياب إبراهيم المصري “جنرال الظل” المعروف بـ ” الضيف” في وجدان شعبٍ ما اعتاد النسيان، ويعلق الآمال على ثلة أقسمت على أن تعود الأرض لأصحابها مهما غلا الثمن وهكذا كان.
بدأ “الضيف” حياته في أزقة خان يونس، يحمل وعائلته همّ اللجوء من قرية القبيبة في المجدل المحتل، نشأ على وقع النكسة وآثارها، لم يفت ذلك في عضده بل وطّن نفسه ليكون جزءاً من مشروع التحرر والتحرير، ليفرّغ حياته في ربيع العمر من مقاعد كلية العلوم في الجامعة الإسلامية بغزة إلى صفوف كتائب عز الدين القسام.
لم تكن الرحلة وردية، فمنذ صعود حركة حماس، وولادة جناحها العسكري انخرط “الضيف” في مشروع المقاومة، مؤسساً ومخططاً فقائداً طور كتائب القسّام من تشكيل محلي محدود إلى قوة عسكرية يحسب لها ألف حساب في موازين الردع الإقليمي، ليسطر قواعد جديدة للاشتباك، ورؤية عسكرية قفزت بالمقاومة في الأدوات والتكتيكات ، يشرف بنفسه على تأسيس الوحدة المتخصصة في صناعة العبوات الناسفة وتطوير الصواريخ التي ردعت الاحتلال وهددته في عمقه، وعقلاً مدبراً لعمليات عديدة ونوعية -إبان الانتفاضة الثانية- عاش المحتل فيها أوقاتا عصيبة، كيف لا فقد كان هدفه أن يرعب المحتل و يلهم شعبه ليدركوا مشروع التحرير.
مع قدرة فائقة على التخفي من استخبارات العدو طوال عقدين من قيادته للكتائب، وسبع محاولات لاغتياله فقد في أحدها زوجته واثنين من أطفاله، وعانى جسده الشلل جزئياً، لتزيد من إصراره على المقاومة، ضيف لا يمكث في مكانٍ زيادة عن القدر الذي يحتاجه العمل، ويعتبره الاحتلال أخطر رجل في غزة.
مع تعافيه من الإصابة، وإصرار استمده من الرمز الأول في مشروع المقاومة الشيخ أحمد ياسين في الاستعصاء على الكسر، انبرى الضيف لتعزيز المقاومة، وبث الروح المقاوِمة التي يزرعها في المجاهدين، والتخطيط العسكري التي لم تكن الأنفاق أولها، ولن تكون آخرها، فالمقاومة عنده إرادة، تحت الأرض وفوقها، سبيله الى ذلك “الاشتباك متعدد الأذرع” ولا مكان للمعيقات في إدارته.
النحال العميق، وسيف القدس وغيرها، والسابع من أكتوبر آخرها؛ تحمل بصماته وتوقيعه فهو البارع في كتابة حضوره من الظل بلا استعراض أو احتفالات أو نياشين.
يرحل الضيف بعد 30 عاماً من مجاهدة الاحتلال إلى جوار النبيين والصديقين والشهداء،ليبقى علماً حاضراً في خطابات العدو قبل وجدان الشعب الفلسطيني والعربي، يخلّف وجعاً في القلوب؛ لكنه في الوقت ذاته يصب في تضحيات الشعب الفلسطيني التي لا تموت بفقد الرجال بل تحيا بهم وبما قدموا
بدأ الضيف حياته في أزقة خان يونس وارتقى شهيداً من مواصيها بعد أن فشل الاحتلال مراراً من الوصول إليه ولا يزال وسيبقى كمن سبقه من القادة العظام حاضراً في ذاكرة كل حر يصبو أن يعود الحق لأصحابه، ترجّل الجنرال الضيف وما إن ترجل حتى تسابقت سيوف الله لتحمل الراية من بعده فهذا هو الطريق.
وفي الذكرى الأولى لرحيله، لا يُذكر الضيف إلا وتُذكر غزة.. جرح وبارود، حصار ومقاومة ، تضحيات وانتصار ، الراحلون ومنهم الضيف أحياء قالوا كلمتهم وارتقوا يرددون: التحرير يبدأ بالإيمان، ويُصان بالبندقية، ويُكمل طريقه بشهداء لا يموتون إلا لتستمر القضية.
(البوصلة)



