التهجير الطوعي وتعاقب الحيل (بورتريه)

التهجير الطوعي وتعاقب الحيل (بورتريه)

عمّان – أحمد عبد القادر

التهجير أخو القتل، ولصيق النكبة والنكسة، هو أوّل ما فتحت عليه عين الفلسطيني، إذ واجه حقيقة هذا العدّو الإحلالي، الذي استطاب أرض غيره من طريق منتدب بغيض؛ فكان التهجير متطلبهما لملء أرض الأنبياء بأصناف من شذاذ الآفاق، من كلّ حدب وصوب، بجنسيات شتى وألسن عدّة.

التهجير وحش كاسر، طلّ برأسه في فلسطين مع بدء وكالة بني صهيون عملها، التي نظرت إلى الفلسطيني العربي الممشوق بصفة الإنسان غير الصالح للشراكة معه، فالمسألة محسومة بلا مواربة، شعب واحد، يهودي طبعاً، لا يساكنه أحد من غير جنسه، ولا بأس من أي أرض وفد منها، حتى لو كان اسمه سموتريتش، حاملاً لاسم أرض أجنبيّة، ضارباً في الاغتراب إلى أبعد ما يكون عن فلسطين وتاريخها وشعبها وحدّها.

هو المحتلّ، نعرفه جيداً، ويعرف نفسه تماماً، أنّ لا صلة له بالأرض إلا ادعاء، ولا يسعفه تاريخ، ولا تعينه جغرافيا، ولا تقيمه حجّة، فلا حول له إلا بالبطش والإبادة والعدوان، والاستعانة بدول الشر ومحور الظلم.

غزّة كثير من أهلها أصحاب هجرتين أو أكثر، ذاقوا طعم التهجير، وهم أكثر من عرفوه، وخبروا مآلاته، لكنّ الجديد أنّ عدوهم سيطردهم؛ ليبني في وطنهم ريفيرا لغيرهم من شتى البقاع، كما هي سبتمانيا، أو قل ريفيرا فرنسا، عجيب كل العجب لم لا تبنى لأهلها إذن! وهذا خير الأوان بعد الدمار الهائل فيها.

هذه المرّة، أرادوه تهجيراً فجّاً، اختاروا فيه أوطاناً جديدة في دول عدة، دون أن يسألوا عن استعدادها للقبول؛ فكأنّ الأرض حيزت لهم، يختارون ما يشاؤون منها، ويتصرفون كأنّهم أسيادها. ثمّ أرادوه بلا حقّ عودة؛ إذ غزّة لا تصلح لأهلها، وإنّما خلقت صالحة لغيرهم، من أرباب العقارات، وأصحاب الأموال، وهواة الترحال، وعشاق الشواطئ. وأضافوا إلى فجاجتهم تفرداً لم يطرق التاريخ بأسماعنا مثله؛ إذ يستعدّ الرئيس لشراء أرض غزّة، وإذ يفصح عن رغبته تلك، كأنّه يبيع لنفسه أي سلعة في أي دكاّن، ما عليه إلى أن يقصد؛ فيدفع؛ فيشتري؛ فيتملّك، طبعاً ليس مهماً من البائع أو إرادته أو الثمن، ما يهم قرار المشتري فحسب!

ما أكثر حيلهم! وما أعجب ما تشغلهم غزّة! وكأنّ رئيس التهجير لا شغل له إلا هذا القطاع من المعمورة، سيله مستمر متدفق من التصريحات التي تحمل مع ولادتها كلّ جديد.

اجمعوا حيلكم، وأعدوا خططكم، وابنوا أحلامكم، وتوهموا أفعالكم، وأجمعوا أمركم صفا، وألقوا حبائل مكركم، واحلموا بشراء الأرض، وطرد الناس رغبة أو رهبة، فكلّ هذا لن يغيّر من حقيقة أنّ الناس صامدون، لا قبلة لهم إلا شمال غزة أو وسطها أو جنوبها، بل لا يعدل جنوبها شمالها عند أهل الشّمال، وليس بعادل شمالها جنوبها عند أهل الجنوب. 

أرح نفسك أيها الرئيس، ولا تقربنّ غزّة، بل ضمّ مواليك من أصحاب العهد القديم إلى أرضك الكبيرة الواسعة، واجمع أموالهم إلى أموالك، فشواطئكم فيها آلاف غزّة طولاً؛ فتخيّر منها، وأبعد عنك جهلاً وغروراً قاصميك لا محالة.

(البوصلة)

اقرأ أيضاً

Facebook
X
WhatsApp
Telegram
Email